لويزا فنزويلا/ الباب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

لويزا فنزويلا/ الباب

مُساهمة من طرف عبد الحميد الغرباوي في الأربعاء فبراير 13, 2008 12:56 pm

قصص من أمريكا اللاتينية


البــــــاب


للكاتبة الأرجنتينية لويزا فالينزويلا


ترجمة: عبد الحميد الغرباوي


حلت الأيام الأولى ليوليوز في سانتياغو ديل إيسترو، حاملة معها رياحا باردة صفيرها ينذر بشتاء أشد قسوة من المعتاد.
غبار رمادي كان كما لو أنه معلق في الهواء، و الأشجار العارية كانت تنحني لكل عصفة ريح حد الانكسار.
وحدها أشجار الشوك السامقة كانت تتحدى الزوبعة بوجهها الشائك المسطح ثم في النهاية ترضخ للسقوط، كاشفة عن أن الشجاعة مهما بلغت من ذروة ، و رغم السيقان الضاربة جذورها عميقا في التربة ، فإن لا حول لها و لا قوة أمام الهجمة الشرسة للرياح.
الكل كان شاحبا كمشهد ثلج وسخ، لكن لم يكن هناك ثلج و لا خضرة.
أنين البراري و الأشجار الشوكية ضاعف من حدة هذا البرد الذي كان يتزحلق على هياكل يابسة هي الأخرى بيضاء لحيوانات نافقة.
داخل كوخ متداع محاط بسياج من الكاكتوس المهمل، كانت الريح تضرب كما لو أنها غزوة ريفية.
و لم يكن إغلاق الباب الخشبي المنقوش الذي هو مدعاة فخر و اعتزاز كل أفراد العائلة ، بقادر على صد هجماتها: سقف القش و الجدران المكونة من صفائح معدنية متماوجة و خرق غليظة، لم تكن كافية لتمنح أدنى حماية.
متحولقين حول نار تلفظ أنفاسها الأخيرة، أوروصمان (الأب) ، بيليصاريا (الأم)، الأطفال الثمانية و الجدة، كلهم كانوا يبحثون عن حرارة أكبر من حرارة جمرات شبه مطفأة، إنها الحرارة الإنسانية.
كان الرضيع ابن الأربعة عشر شهرا يبكي داخل سلة من قصب مخصصة لنقل الثمار، و كانت بيليصاريا تتساءل عما ستفعله بالآخر الذي على وشك الخروج إلى الحياة. و أتى صوت أكبر أولادها، أوريصتي منبعثا من عمق الصمت، كما لو أنه يرد على تساؤلها:
ـ لا يمكن أن نستمر على هذه الحالة.. لنذهب إلى توكومان
ـ أجل إلى توكومان، إلى توكومان.. ردد الأطفال بصوت واحد..
ـ قيل لي إن في المدينة إنارة ، و البيوت كبيرة و متينة و الريح لا تدخلها.
و في عصبية ، أردف أوريصتي:
ـ دون زويلو قال إن العمل هناك متوافر. و الحاجة إلى السواعد كبيرة في حقول السكر.
قال أيضا إن المال هناك كثير.
ـ دون زويلو ذهب السنة الفارطة لجني القصب. يقول إنه صار عجوزا و لم يعد يستطيع العودة إلى هناك، و هو يبيعك عربته مقابل المعزات و النعجتين. إذ هناك لن نحتاج إليها.
و يرد أوروصمان محتجا:
ـ أو سنذهب مع أمنا و نحن في هذه الحالة؟
و كما لو أنها غير مهتمة بما يدور حولها من كلام، قالت بيليصاريا:
ـ أنا سأذهب على كل حال.
ـ و الجدة الطاعنة في السن.
ـ أنا أريد الانتقال إلى المدينة، الجو دافئ هناك و أريد أن أعيش أيامي الأخيرة في ظروف حسنة.
في تلك الليلة، نام الجميع ،داخل الكوخ ، نوما عميقا يدثرهما الأمل مثل غطاء.
و في صباح اليوم التالي، بلغت الحركة ذروتها. بداية كان الحديث مع دون زويلو الذي إضافة للمعزات و النعجتين، أراد الباب أيضا بديلا للعربة. كان ذلك عملية مستحيلة، لأن الانفصال عن الباب كان خروجا عن الأعراف و التقاليد: حفر على سطح الباب خمسة عفاريت و فوقهم عاليا شكل ملاك يطارهم. كان الملاك أكثر بشاعة من العفاريت، لكن ذلك كان خطأ أوروصمان الذي نقشه هناك في دير المبشرين، دون أن يكون على دراية بالنقش على الخشب. و رغم ذلك فالرهبان اثنوا على عمله بقولهم إن بابه جميل جدا،و سيضعونه في المصلى، و بدل أن يفتخر بذلك، فر هاربا في نفس مساء ذلك اليوم على حصانه ، و الباب في السرج، إذ أنه لم يرد أن يكون الباب في ملك الرب بل في ملكه هو و عائلته. و اليوم لن ترغمه عربة مهترئة ذات خشب غليظ مستدير و دون غطاء للبضائع على التفريط فيه ، و لو أن في سانتياغو ديل إيسترو ليس هناك أفضل منها لجني قصب السكر.
و أسفرت المبادلة في نهاية الأمر على أن تكون العربة لهم مقابل الماشية فقط.
الجياد تقفز جذلانة تحت ثقل الرحل الذي لخمس سنوات و هو مركون في ناحية من المسكن الخرب. السياط الجلدية الطويلة المستعمل لطرد الذباب تدغدغ مؤخرات الجياد التي كانت تسترجع نشاطا افتقدته زمنا طويلا.
أوروصمان و الأطفال ينقلون دون تلكؤ أكياس الذرة و كل ما تعثر عليه أيديهم في الكوخ. و شيئا فشيئا، أخذت العربة تمتلئ، إلى أن صار المتاع كله يجثم على عجلاتها: الخرق التي كانت تعضد جدران الكوخ استعملت في تلفيف الأواني و أشياء أخرى، قش السقف الذي كان يسد الثقب حول إلى فراش. وحدهما عمودان، ظلا واقفين، مثل صليب مغروس على قبر الكوخ المتداعي الذي أبدا لن يعودوا إليه.
خاطبهم دون زويلو و هو جالس القرفصاء ، يشرب جعته المحلية:
ـ اعملوا بنصيحتي، ارحلوا إلى المدينة، هناك يُشغل الناس، و ستتقاضون أجورا جيدة. لا تقبلوا العمل في الحقول، اذهبوا إلى داخل المدينة.
كانت تلك كلمة وداعه.
فرقع أوروصمان الكرباج في الهواء فاهتزت العربة متحركة. نزل الليل صقيعيا في عمق الطريق، فاضطروا إلى التوقف. سخنوا طعامهم على نار تؤججها الريح، ثم ناموا داخل العربة، متكومين بين العلب و القش. وكما لو كان وعدا منها، قادتهم شمس الفجر الشاحبة إلى الطريق المؤدية رأسا إلى المدينة. الجبل الغابوي و القاحل توارى بعيدا خلفهم بيد أن مشهد النباتات المتفرقة كان يأبى أن يتغير.
السماء، و مع نزول المساء تدريجيا، شرعت تأخذ لها درجة من اللون الرمادي المثير للتقزز، إلى حد أن على خط الأفق، مزج الضباب السماء بالأرض. أطبق عليهم الليل، على جوعهم و برودة أجسادهم.
حين واصلوا طريقهم، شاهدوا الحقول على جانبي الطريق، تتحول إلى خضرة و زرع: المدينة كانت قريبة. فجأة، سمع ذوي انفجار هائل ، اهتزت له فرائصهم. ثم انفجار آخر، و آخر .
ـ إنها المدافع، قال أوريصتي بصوت خافت جدا. قيل لي إن المدافع هي التي تحدث مثل هذا الذوي فيرتعد الجميع.ـ لا تنطق بالتفاهات، أيها الصغير، إنه ضجيج المدينة الكبيرة، قال أوروصمان..
و ضرب الجياد بالسياط حاثا إياها على الإسراع.و أفضوا إلى الشارع الكبير المحفوف بالمنازل و الحدائق.حشد من الناس على الأرصفة كانوا يتجهون بخطى واثقة نحو وسط المدينة. العربة تتبعهم، لفت على ساحة، دخلت دربا ضيقا، و فجأة، و عند ملتقى طرق، وجدت العربة نفسها خلف ثلة من جنود، تحركوا سائرين بناء على أمر.
ساروا خلفهم.
الدور العالية كانت تزينها أعلام زرقاء و بيضاء، و كان هناك حشد كبير من الناس، كما لو أن العالم كله اتفق على موعد للهتاف و الغناء. سيارات و موتوسيكلات كانت تدفع العربة نحو الساحة الكبرى، أصاب الخوف الشديد أوروصمان و أفراد عائلته، فاستسلموا للتيار المندفع. واتسعت حدقات أعينهم رعبا لمرأى دبابات تتجه نحوهم. صاح فيهم جندي:
ـ تحركوا، تحركوا، أنتم ترون جيدا أننا لا نستطيع التوقف هنا.
فرقة الموسيقى العسكرية تحرك الطبول في شكل دائري، و التيار البشري يقودها. اقترب منهم رقيب عسكري يمتطي صهوة حصان و صرخ فيهم أن يغادروا المكان سريعا..
ـ ألا ترون أن المرور هنا ممنوع؟..
لم تعد الجياد تستجيب تماما للقيادة، و الأطفال يبكون مختبئين تحت القش.
مروا من أمام لافتات كبيرة كتب عليها"الذكرى المئة و الخمسون.." كانت الكلمات صعبة لم يتمكنوا من قراءتها،و أجهشت بيليصاريا باكية في صمت، ذلك لأن المكان كان أشد قسوة من الجحيم ، و تمنت أن تصلي للعذراء ماريا كي تخلصهم من هناك.
و أخيرا أفضوا إلى درب يبتعد عن الساحة، رغم أن ذلك تطلب شق الطريق وسط الحشد. مروا من أمام باب بيت في أعلاه نافذتان طلي شباكيهما بالأخضر، و يبدو أن البيت كان مركز الجلبة و الصخب.
ـ انظروا إلى هذا الباب يكاد يكون جميلا مثل بابنا
صاح واحد من الأطفال.
غير أن لا شيء كان بمستطاعه إثارة انتباههم، بما في ذلك شعلة الضوء التي انفجرت فجأة في الظلام راسمة ما يشبه دائرة حول محيط الكاتدرائية.
في السماء،أشكال سيئة،شريرة، حمراء و خضراء، تشتعل و تنير وجوههم التي كانت تشبه أرواحا معذبة.
و العربة، هي الأخرى مثل روح متألمة، استسلمت للانقياد وسط زوبعة الهتاف و الألوان التي اجتاحت المدينة.
ذوت المدافع من جديد. صمهم الصخب، و ما أن تحررت الجياد من الزحام الذي كان يعيقها، حتى حزمت أمرها و أسرعت تضرب بحوافرها على الإسفلت راكضة.
و لم يتمكن أوروصمان من ثنيها عن الجري و السيطرة عليها، إلا حين اقتربوا من القرية و صارت المدينة مجرد بقعة حمراء في السماء تشبه غروب شمس. لم يتوقفوا و لكن أبطؤوا في السير، و واصلوا سباقهم إلى أن بلغوا الصليب الذي يقوم بحراسة المكان حيث كان ينتصب الكوخ. كان البرد لهم بالمرصاد كما لو كان في انتظارهم، و إيقاد نار بدا لهم ضروريا بعد كل ما بذلوه من سير شاق دام ليلة و يوما و ما يقرب ليلة أخرى. كانوا في حاجة إلى نار لطرد الأرواح. و قال واحد من الأطفال و هو يئن:" لنحرق الباب"
محاولا دون جدوى إيقاد نار مستعينا ببعض الجذوع الصغيرة التي تنش نشا ضعيفا.
ـ إلا الباب..
صاحت بيليصاريا محتجة ..
ـ ليس لدينا سواه، هو رفيقنا. و إذا ما أحرقناه فقد يجلب لنا ذلك الشقاء.
خيم صمت طويل و حارق.
ـ سيجلب لنا الشقاء إذا ما ماتت الجدة بردا، قال أوروصمان مصمما.
ودعوا الباب وهم يصلون، بيد أن اللهيب سرعان ما صار كبيرا و شرعت العفاريت تكشر لهم جميعا و للملاك متهكمة.
و رغم ذلك، وجدوا في الحرارة عزاء و مواساة.
و حين مر دون زويلو من هناك في اليوم التالي صباحا، كانت الجمار لا تزال محمرة . و كم كانت دهشته كبيرة و هو يرى أوروصمان ، زوجته، أمه و كل الأطفال، يصلون حول الصليب، الشاهد الوحيد على الكوخ.
ـ ماذا تفعلون هنا؟.. سألهم دون أن يترجل من على صهوة جواده. سيتوجب عليكم البدء بكل شيء من جديد...
ـ أجل ، البدء بكل شيء من جديد، رد أوروصمان. و بدون باب يحمينا. لكننا فضلنا العودة، حتى
و إن متنا بردا.
و هو ينظر في يديه، أضاف:
ـ لأن في توكومان، هناك الحرب.
ـــــــــــــــــ
*من مواليد بوينس إيرس عام 1938.
ابنة الكاتبة لويزا مرسيدس ليفنسون. زاولت العمل الصحفي ، و عاشت لسنوات بين باريس، برشلونة، و مكسيكو و في نيويورك زاولت مهنة التدريس.
أصدرت ست روايات آخرها سنة 1990، و خمس مجاميع قصصية آخرها سنة 1983، و نص بوليسي سنة 1991.أعد النص للغة العربية: عبد الحميد الغرباوي

عبد الحميد الغرباوي

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 12/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى