أوجستو روا باسطوس / وفـــاة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أوجستو روا باسطوس / وفـــاة

مُساهمة من طرف عبد الحميد الغرباوي في الأربعاء فبراير 13, 2008 1:33 pm

وفـــــاة




للكاتب البارغوايي أوجستو روا باسطوس


تـ: عبد الحميد الغرباوي



سمعتكِ ، منذ قليل ، تذكرين اسم تشيبي بوليفار. هل تعرفينه؟
سألت المرأة في القطار الذي يقل الركاب و البضائع.
ـ عامل التلغراف مانورا؟ نعم، كيف لا أعرفه؟ و أنا التي كنت أعتني حتى بثيابه !
قلت في داخلي، هذه العجوز الثرثارة تكذب، متذكرا أن عامل التلغراف، حين عرفناه، كان يقضي وقته في الغالب عاريا، خصوصا خلال الأعوام الأخيرة من حياته.
ـ طويل، أسمر، بطيء، بقدمي طائر. يرتدي دوما دثارا، شتاء و صيفا. و ليلا، إذا ظهر القمر، كان يضع على رأسه "سمبريرو" كبيرا، و بالإضافة إلى ذلك، يحمي نفسه بشمسية نسوان زيادة في الحيطة و الحذر. كان يخرج مخيفا الناس. كيف لا يمكن أن أعرفه!
همست العجوز.
أبدا، عارضتها في داخلي، نادرا ما كان يبرح داره. عاريا يستر العرق أورامه و نحافته، كان يظل حبيس داره ينقش خشب صندوقه على ضوء شمعة. كانت ضربات القدوم و الأزميل على جذع الشجرة تسمع ليلا من بعيد. أذكر أننا كنا في القرية نعلق بقولنا، حين نسمع تلك الضربات التي تشبه النقر المكتوم للطائر النقار، ها قد عاد تشيبي يدق التلغراف.
ذات مرة، أمرتني خالتي إمرنثيانا، التي كانت تشتهر بمعرفتها للعلاج بالأعشاب:
ـ هيا احمل إليه الدواء. و قل له أن يأتي لحظة ليصلح لي السياج، فبقرات الجار النشالة تعبت في حديقة الخضروات منذ الصباح.
ـ خالتي تقول لك أن تأتي لحظة لتصلح لها السياج.
ـ لا أستطيع. ألا ترى القمر؟
ـ الوقت نهار.
ـ إذا خرج من شرنقته، فدائما ما ينظر إلى المرء، بالليل و النهار، حتى و إن لم يظهر.
ـ خالتي، يقول إنه لا يستطيع المجيء. أنت تعرفين جيدا أن جسده يمتلئ بالقروح إذا ما خرج و القمر في تمام اكتماله. يقول سوف يأتي الأسبوع القادم، إذا شاء الرب و السيدة العذراء ذلك ، و سيعيد للسياج جدته، و أيضا سيصلح طاقة القديس السيد المسيح.
أنفاس المرأة تبرد أذني.
و يمتزج الهمس بصفير القطار المقل للناس و البضائع:
ـ مات تشيبي، حين دخل الجنود عام الفيضان الكبير، مات أثناء إطلاق النار.
قلت:
ـ لم يمت بالرصاص.
ـ قيل إنه مات رعبا بسبب إطلاق النار، و قيل بل برصاصة طائشة. لكن الحقيقة لم تكن كذلك ؛ أنت على حق. عامل التلغراف مات لأنه كان يجب أن يموت، لا أقل و لا أكثر. انتظر موته زمنا طويلا. كان يجب أن يموت في انتفاضة عام 12. أنت لا يمكن أن تتذكر ذلك. لأنك لم تكن قد ولدت بعد.
لا أنت و لا أنا، كنا قد خرجنا من البيضة كما يقال. عرفنا تشيبي عجوزا، مثلما عرفنا المعلم كريستالدو. أنت رحلت عن القرية قبلي بكثير، إلا أنك لا تزالين تذكرين كم كان المعلم و تشيبي يتشابهان، رغم الاختلافات التي بينهما. كنا نرى في أحدهما وجه الآخر، و كأنهما يشكلان شخصا واحدا. الأول نحيف، شديد البياض،غير مكتمل. و الثاني طويل، ضخم، شديد السواد. و حين صار تشيبي عاجزا عن الحركة، كان المعلم يزوره في منزله ليساعده في عمله.
كان التابوت قد اكتمل منذ وقت طويل، لكن الاثنين كانا دائما يجدان شيئا ما يتطلب تعديلا أو تحسينا.
كان التابوت يشبه قاربا، قارب المعلم كريستالدو، و ربما أفضل؛ من حيث النوعية و التحمل و المظهر. كان الأفضل لاجتياز النهر حتى منابعه، مطلب المعلم، الذي لم يستطع سوى التجديف في النهر؛ ذلك لأن قاربه المتهرئ كان ينفذ إليه الماء من كل الجوانب.
كما أن الحروف التي كانت على أطراف تابوت تشيبي، الذي نقشها بالسكين حرفا حرفا هو المعلم. كما لو كان العمل عمل أسير. استغرق ذلك عددا آخر من الأعوام..
ليس ثمة سوى البداية و ما قبل البداية..
ماذا كانا يعنيان بذلك؟
رسالة؟
إهداء؟
أم كان ذلك نفاق عجوزين يخرفان.
كان صوت المرأة يذهب و يعود في العتمة؛ فلا تدعني أواصل الحلم:
ـ يحكى أن الجنود الذين احتلوا القرية، خلال ثورة 12، أرغموا تشيبي على إبراق نبإ كاذب. كانت تلك خدعة منهم لعرقلة زحف المتمردين الذين كانوا قد استولوا على قطار عسكري في مدينة إنكارناصيون، و جذبهم إلى كمين في مانورا.
النبأ الكاذب الوحيد الذي أذاعه تشيبي بعد ذلك و بزمن طويل، ليس بصفته عامل تلغراف، بل مجرد ناقل أقاويل عن متسكعي المحطة، كان نبأ وصول من سيخلف المعلم في منصبه. و تذكرين أن كل التلاميذ، و المعلم في مقدمتهم، ذهبنا لاستقباله رافعين الأعلام ذات الألوان الثلاثة، مرددين النشيد الوطني الذي تدربنا عليه جيدا. لكنه لم يصل لا في ذلك اليوم و لا في أي يوم آخر.
ـ يحكى أن عامل التلغراف رفض. و لم يكن في مانورا من يستطيع تشغيل التلغراف سواه. جربوا رشوته بالنقود، فرفض. وعدوه بترقيته إلى منصب رئيس المحطة، فرفض. أوقفوه، موهمين إياه بالإعدام، أمام فريق الإعدام، دون جدوى. لم يقلل ذلك من شجاعته.
يحكى أن تشيبي كان يكتفي بهز رأسه.
هل تذكرين أن عامل التلغراف كان يتلعثم قليلا؟
في المدرسة كنا نطلق عليه الدعابات. سبب التلعثم فقدان الذاكرة، و ليس بسبب شيء آخر. فقد ذاكرته و صوته.
لم تتذكر العجوز ذلك.
و حكت حكاية سمعتها من قبل.
ـ لم ينفع موقفه ذلك في شيء. فما رفض فعله لتجنب مذبحة مروعة فعله آخر. عثر الجنود على ضالتهم. و تمكن الجنود من تنفيذ الخدعة. أطلقوا قاطرة محملة بالمتفجرات بأقصى سرعتها فاصطدمت بقطار المتمردين و فجرته في منتصف الطريق.
سيكون الوقت قد فات إذا ما أرجأت الحديث عن الموت الذي حدث !
هنا أخذت العجوز الثرثارة تخلط كل شيء، خشية أن تخمد جذوة الذكريات؛ و ربما هي الأخرى تتمنى توقف الحياة التي تخرج من فمها و هي تحكي الوفاة الممتدة لتشيبي بوليفار.
كان يجب أن يموت تلك الليلة....،
خفت الهمس.
ـ و من قال لك أنه لم يمت تلك الليلة؟
ـ لم يستطع النوم بعدها. لم ينم منذ ذلك الحين و لو يوما واحدا. دامت عشية موته عشرين عاما.
لم تكن عشرين عاما. على كل حال، لا يجوز القول إنها كانت عشرين عاما.
ـ ماذا؟
كنت على وشك أن أشتمها
ـ ألا تعتقدين ، سيدتي، أنك لكي تحكي ذلك بصدق، يجب أن تعكس عبارتك نفس الزمن بالضبط، و أنه، بناء على ذلك، هناك شيء يزيد أو ينقص؟ لم الجدال؛ في نهاية الأمر، لا يمكن تسوية ما حدث بالكلمات.
أردفت:
ـ من يدري كم تدوم تلك الأشياء.
قالت:
الفم هو معيار كل واحد.، فحين مات تشيبي..
حين مات تشيبي، كان المعلم كما لو أنه فقد ظله. شرعت الشمس تلفحه بلا رحمة من كل جانب؛ كيف يمكن التعبير عن ذلك، بدأ يشاهد في قلب الضوء؛ موحشا. كما لو أنه ، و انطلاقا من تلك اللحظة، بقي في القرية فقط ليقوم بمهمة فك خيط العدم الأسود، الذي حاكه الاثنان سويا، بصبر قدسي، و دون كلل، طوال أكثر من نصف قرن. أعتقد الآن ذلك. و لعل الأمر لم يكن كذلك؛ فربما تخدعني الذاكرة أنا الآخر.
ـ حين مات تشيبي..
كررت العجوز التي كانت تراقب تيهاني
.. لم يكن المهاجمون قد فجروا المحطة بعد.
ـ لم تفجر المحطة في مانورا بل في سابوكاي، قبلها بعشرين سنة.
ـ لا يهم، لكن في مانورا كانت قد مضت ثلاثة أيام و الاقتتال محتدم من أجل الاستيلاء على الجسر.
كان بإمكان الاقتتال أن يستمر لفترة ثلاثة أيام أخرى. و بدأ الجسد الذي نشف من دمه يفوح بعد فترة قصيرة من موته. فالأعوام العشرون التي قضاها دون نوم دمرته فجأة حين بدأ في أول حلم لم يكن ليستيقظ منه. أول جرعة من الأبدية.
أعتقد أنه عدم التعود...
غاب صوت العجوز في كحة.
و حين عاد:
ـ كان تشيبي بوليفار هو المسيحي الوحيد في القرية الذي كان لديه تابوت و هو حي.
قالت ذاكرة ما اعتقدت أنها ستتجاهله.
ـ في المرات التي حملت له فيها أدوية الأعشاب لعلاج قروح "اللهب البارد" للقمر، كان يمد يده تحت الفراش، حيث يحتفظ بالتابوت، الذي كان يقوم مقام مخزن، و يخرج منه قمع سكر يتجمع عليه النمل:
ـ خذ. تقديرا لخدمتك.
ـ و لماذا يحتفظ بذلك هناك؟
ـ فقط لعدم الثقة. أكيد أنه مات عجوزا و مجردا من الثقة..
ـ لكن كيف وجدت كل هذه الشجاعة لتفعل ما فعلت في تلك المرة؟
ـ متى، يا فتى؟
ـ المرة التي كانوا سيقتلونك فيها.
ـ لم تكن شجاعة. كان رعبا.
ـ لكنك رفضت.
ـ لا، عجزت عن الكلام، فلم أنطق ببنت شفة. كما لو في حنجرتي حجر.
ـ قلت لهم لا.
ـ ليس لهم، بل لرعبي، لهلعي. لم أرد أن أموت...
قالت البائعة العجوز:
ـ في ذلك التابوت وضعناه. لكن لم ندفنه في المقبرة. لم يستطع موكب الجنازة اجتياز حزام النار الذي طوق القرية. فاضطررنا إلى دفنه في إسطبل. و رغم الطلقات التي كانت تصفر فوق رؤوسنا، لم يتخلف أحد عن مراسم دفن ذلك الميت الذي كان كثيرون، ممن هم أكبر منا سنا ، يدينون له بالحياة.


________________________


Augusto Roa Bastos (né le 13 juin 1917 à Iturbe au Paraguay est décédé le 26 avril 2005). Il a participé à la guerre du Chaco (1932-1935) entre le Paraguay et la Bolivie. Journaliste, il écrivit des poèmes, des contes et des romans. Il s'exila en Argentine en 1947 pour raisons politiques et vécu quarante ans en exil, le dictateur Stroessner s'opposant à son retour. Il a enseigné en France, à Toulouse, la littérature et la langue guarani (langue officielle au Paraguay).]

عبد الحميد الغرباوي

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 12/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى