جورج أمادو / ملاكمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جورج أمادو / ملاكمة

مُساهمة من طرف عبد الحميد الغرباوي في الأربعاء فبراير 13, 2008 5:22 pm

مـلاكـمـة


فصل من رواية (باهيا)




للكاتب البرازيلي جورج أمادو


نقلها من الفرنسية إلى العربية: عبد الحميد الغرباوي


وقف الجمهور وقفة رجل واحد. خيم صمت جنائزي.
عد الحكم إلى ستة..
لكن، و قبل أن ينطق: سبعة، استعاد الرجل الأشقر و بجهد جهيد وعيه، متكئا على ذراع، و مستجمعا كل طاقته، استقام واقفا. حينذاك، اطمأن الحشد و تعال الصراخ. هجم الزنجي بشراسة، فتشاد الخصمان بالذراعين، و تصادما بالجسدين وسط الحلبة. كان الحشد في أوج انفعاله:
ـ أسقطه ! أسقطه!
كانت ساحة الكاتدرائية، ذاك المساء، مسودة بالناس. الرجال يتكدسون على المصاطب، و هم يرشحون، الأعين مصوبة نحو الحلبة التي ينيرها ضوء شاحب، حيث يواجه الزنجي أنطونيو بالدوينو الملاكم الألماني إرجين. ظل الكاتدرائية المئوية ينشر ستاره على العوام. جنود، بحارة، طلاب، عمال، مرتدين، أغلبهم سروالا و قميصا، يتابعون بلهفة أشواط المنازلة. سود، و سمر و بيض، جميعهم كانوا يناصرون الزنجي أنطونيو بالدوينو الذي جعل خصمه يسقط مرتين.
في السقطة الثانية خيل للجميع أن الأبيض لن يقف أبدا، لكنه وقف و استأنف النزال لحظة كان الحكم على وشك أن يعد: سبعة. تملك المتفرجين ارتعاش إعجاب. همس أحدهم:
ـ هذا الألماني، على كل حال، ذو رجولة...
لم يتوقف الجمهور عن تشجيع الزنجي الضخم، البطل الباهياني في الوزن الثقيل. الكل كان يصرخ حد انقطاع الأنفاس لأجل التعجيل بالنهاية، أي هزيمة الألماني.
صعلوك، لون بشرته يشبه لون الورق الممضوغ، يعض بأسنانه على عقب سيجارة مطفأة. زنجي مسخ يصرخ و هو يضرب بقوة على ركبتيه .
ـ أسقطه ! أسقطه!
الأرجل تخبط الأرض ، و الصراخ يصل مداه إلى ساحة كاسترو آلفيس.
لكن ها هو الأبيض، في الجولة التالية، يبادر إلى الهجوم، و يلقي بالزنجي على الحبال. لم يقلق ذلك الجمهور إطلاقا: كان يترقب رد فعل الزنجي. و فعلا، استهدف بالدوينو وجه الألماني الدامي. لكن إرجين توقع الهجمة، و سدد لكمة قوية إلى وجه الزنجي حولت محيط عينه إلى بقعة لحم مدماة. صار الألماني في اللحظة ذاتها جبارا. يسيطر، مثل عملاق، على الزنجي، الذي اكتفى بتلقي اللكمات في الوجه و الصدر، و المعدة. استنجد بالدوينو بالحبال؛ تشبت بها و ظل دون حراك، مستسلما. كانت فكرة واحدة تشغل باله: تجنب السقوط مهما كان الثمن، و هكذا تعلق بالحبال و بكل ما أوتي من قوة. في حين كان الألماني المندفع، يطرق وجهه. أصيب بالدوينو بالرعاف؛انسدت عينه اليمنى، و أصيب بجرح تحت أذنه. كان يرى مرتبكا الأبيض يتفوق عليه، و يسمع صياح الجمهور و قد صار بعيدا، بعيدا جدا. كان الجمهور يصفر احتجاجا. هل سنرى البطل على الأرض؟ و يزعق:
ـ هيا، أيها الزنجي ! اخترقه!
لكن سرعان ما صمت الحشد، محبطا لرؤية بطله غير قادر على المقاومة. آنذاك انفجرت صيحات احتجاج وسخرية:
ـ يا لك من زنجي متأنث ! امرأة بتبان ! ... أنت، أيها الأبيض، هيا، سدد له اللكمات ! ...
غضبهم بلغ درجة السعار و هم يرون الزنجي مستسلما، غير قادر على الدفاع.
كانوا قد أدوا ثلاث ميلريسات ثمن تذكرة مشاهدة فوز البطل الباهياني على هذا الأبيض الذي يحمل لقب بطل أوروبا الوسطى. و ها هم يشاهدون سحق الزنجي. أحسوا بالابتزاز، تركوا المصاطب، و ما عادوا يعرفون إن كان عليهم أن يصفقوا أم يسخروا من الرجل الأبيض. و في النهاية، تنفسوا الصعداء حين رن الجرس معلنا نهاية الجولة.
التجأ أنطونيو بالدوينو إلى ركن من الحلبة، معتمدا على الحبال، في حين بصق الصعلوك ذو عقب السيجارة المطفأة ناحية الزنجي صارخا:
ـ أين هو الزنجي بالدوينو، مُسقط البيض؟
سمع أنطونيو بالدوينو، هذه المرة.
تجرع جرعات من ماء قنينة أمدها له الثخين المكلف بخدمته، و التفت ناحية الجمهور، باحثا عن مصدر الصوت.
و عاد الصوت أكثر حدة:
ـ أين هو، مُسقط البيض؟
قسم من الحاضرين ردد في شكل جماعي:
ـ أين هو؟ أين يوجد الآن؟..
أحس بالدوينو بلسعة سوط.
إذا كانت لكمات الأبيض لا تؤثر فيه، فإن مؤاخذات أنصاره له تستفزه.
قال للثخين:
ـ حين ينتهي كل شيء، سأحطم ذاك الشخص هناك. ركز عليه.
و حين أعلن الجرس استئناف المنازلة،اندفع نحو إرجين. سدد له لكمة مباشرة في الفم، و أخرى في البطن. استرجع الحشد بطله.

صاح:
ـ هيا، أنطونيو بالدوينو ! هيا بالدو ! أفقده وعيه ! ..
عاد الزنجي المسخ يضرب على ركبتيه. ضحك الصعلوك.
و بالدو يواصل اندفاعه دائما، و قد تملكه غضب كبير.
حينذاك انتقل الألماني إلى الهجوم المضاد، و استهدف العين السليمة للخصم...لكن الزنجي تفادى اللكمة بحركة سريعة، و مثل نابض يتمدد، رمى بلكمة مباشرة تحديدا تحت ذقن إرجين، الألماني. رسم بطل أوروبا الوسطى مترنحا شكلا أسطوانيا ، و سقط مثل كتلة.
كان الحشد يهيج فرحا.
ـ بالدو ! بالدو! ...بالدو!
أخذ الحكم يعد:
ـ ستة، سبعة، ثمانية...
و بالدوينو في غاية الرضى، ينظر إلى الرجل الأبيض الذي يئن عند قدميه. ثم جال بعينيه المتهمة الحشد الذي كان يهتف باسمه، باحثا عن الشخص الذي تجرأ على القول أنه لم يعد مُسقط البيض. و بما أنه لم يعثر عليه ، ابتسم للثخين. كان الحكم يعد:
ـ ... تسعة، عشرة..
رفع الحكم ذراع بالدو. الحشد يصرخ، لكن الزنجي لم يكن يسمع سوى صوت واحد حاد، و هذا الصوت يقول:
ـ أحسنت أيها الزنجي. أنت ما زلت مُسقط البيض...
خرج البعض من البوابة الصدئة، لكن القسم الأكبر هرول مندفعا نحو مربع الضوء المنحصر في المنصة، لحمل المنتصر احتفاء بفوزه. بحار و طالب رفعوه من فخذ، و أسمران تكفلا بالفخذ الأخرى. و هكذا حملوه حتى المراحيض العمومية التي كانت مخصصة كمستودع ملابس للمتبارزين.
ارتدى بالدوينو كسوته الزرقاء، شرب كأسا من ماء الحياة، توصل بالمئة " مايرليس" التي هي من حقه، و قال للمعجبين به:
ـ الأبيض لا يصمد.. ما من أبيض يمكنه الصمود أمام انطونيو بالدوينو.. الزنجي، الذي يتحدث إليكم، هو رجل قح...
ابتسم، حشر الورقة النقدية في جيب سرواله، ثم أخذ الطريق المؤدية إلى نزل زارا، حيث تقيم زيفا، سيدة خلاسية ذات أسنان مقلمة، جاءت من مارانيون.

عبد الحميد الغرباوي

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 12/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى