5 ـ جان الكسان / المعادة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

5 ـ جان الكسان / المعادة

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين فبراير 18, 2008 10:09 pm

ـ 5 ـ

جـان الكـسان




المعـــادة



عندما طلعت الشمس اختفت العقارب.. ولكن الصباح الجديد جاء يحمل نبأ وفاة طفل من بيت عليوي.. لدغه عقرب فمات في غضون ساعة.. لم تنفعه "تغطيسة الماء والتبن" التي وضعته فيها حرمة ذنون العقلة، لأن اللدغة كانت في ذراعه، ولأن ذراعه كانت خارج ماء البرميل.‏
إذن.. فدعاء فطوش الصياغة كل عشية من عشيات الصيف ليس مستجاباً في جميع الأحيان، لعل ذلك كما يقول حنشول لأنها تستنجد بالنبي سليمان وليس بالخضر..‏
"بعضنا الآخر لم يمت.. لم يلدغه عقرب.. ولا أحتاج لدعاء فطوش الصباغة.. عاش.. ولكنه حمل معه بذور التراخوما تثقل جفنيه حتى يكاد لا يستطيع أن يفتح عينيه في الشمس، وعاشت معه أيضاً جراثيم الزحار.. استوطنت أمعاءه حتى أصبحت شيئاً كأنه الفولكلور"..‏
..وقطوش الصباغة تتلو كل عشية من عشيات الصيف "موسم العقارب" تعويذة واحدة وهي تدور في الساحة:‏
"عقربة بنت عقربان..‏
جاءك النبي سليمان..‏
يحمل عود الرمان..‏
يقول: لا تلدغي الحافي..‏
لا تلدغي الماشي..‏
والنائم في الفراش..‏
حتى يخرج نور الفدان..‏
وتشرق الشمس على الجدران"..‏
"وماذا عن الدعوات الأخرى التي لم تستجب أيضاً؟. دعوات أمي يوم كانت تحدث ربها وكأنها تحدث جارنا أبا وهيبة: كيس الدقيق فارغ.. خابية الزيت ليس فيها قطرة.. ثياب الصغار اهترأت؟..".‏
مثل هذا الخبر.. خبر وفاة طفل بلدغة عقرب، كان يحرك بلدة أبي كمال الغافية على الضفة اليمنى لنهر الفرات، عدة ساعات قبل أن تعود إلى هدوئها العجيب، كهدوء النهر العريض في الصيف، إذ يظنه المرء ساكناً لا يجري لولا ما يتحرك على صفحته من أعشاب وقش وأوشال والعالم الحالم كله كان ينتهي بالنسبة لأهل البلدة شمالاً عند حدود بيت "مسيو فوكو" مراقب الميرة، وجنوباً في نقطة "حصيبة" على حدود العراق، وشرقاً عند جبل الباغوز.. أما في الغرب، حيث يمتد الحماد ليتصل ببادية الشام، فكان "قبر الإنكليزي" –قتل يوم دخل الحلفاء البلدة ليطردوا ممثل حكومة فيشي- هو آخر نقطة يصل إليها أهل البلدة قبل أن "تطق" عين ماء في أرض الملأ حميد، ويصبح "بير الملاحميّة" مزاراً جديداً للناس، وحداً جديداً في جهة الغرب، يتفرجون فيه على النبع الذي تفجر في بطن الجبل، ويجلبون منه حجر البيلون تغسل به النسوة شعورهن في الحمام حتى تظل ملساء ناعمة.‏
"جارتنا أم وهيبة، كانت تغسل شعرها بالبيلون.. كل خميس.. غرفت الآن سر يوم الخميس عندما كان أبو وهيبة يجلس في الإيوان منذ العصر يردد مطلع أغنية وكأنه يعد نفسه بالجنة:‏
ثريّا وقمر ونجوم‏
شاكة بصدرها‏
تسوى ملك عثمان‏
‏ نومة بحضنها‏
حتى إذا مله ردد مطلعاً آخر:‏
بين حصيبة والبوكمال‏
‏ طالع كما يا طيبو‏
عبد الحميد موصّي‏
‏كل من يأخذ حبيبو‏
"كان يوماً احتفالياً بين أيام الأسبوع بالنسبة لأم وهيبة.. يبدأ ينتف الشعر عن الساقين، وينتهي برفع طنجرة الماء على بابور الكاز في ساعة متأخرة من الليل".‏
ثلاث مرات فقط ضجت البلدة كلها حتى ظن المرء في كل مرة أنها لن تكف عن الصراخ والعويل.. الأولى يوم جاء الخبر من العراق ينعي "غازي":‏
-ماذا هناك يا ناس...‏
-قتلوا غازي..‏
-من؟..‏
-غازي ابن أم غازي.. قتلوه.‏
-صلّ على النبي يا رجل...‏
-أقول لك قتلوه... صدقني..‏
-ومن قتله؟...‏
-قتله الإنكليز...‏
يا ويلي؟..‏
وصرخت المرأة التي قتل الإنكليز ابنها بعد اعتقاله في معسكر "سن الذبان".. شقت ثوبها كما تفعل كل امرأة يأتيها خبر الولد أو الأخ أو الزوج.. ومثل سريان النار في الهشيم امتدت الصيحات في البلدة متجاوبة، نائحة..‏
تحولت البيوت إلى معادة واحدة، شُقت فيها الأثواب، وخمشت الصدور، ولطمت الخدود ساعات وساعات قبل أن تعود البلدة مرة أخرى إلى هدوئها المعهود، فيستأنف الحاج رديف في دكانه بيع "طابات الخام أبو كعكة" وبيع "محارم المركزيت" و"العقل أمهات شاعورة" لعشائر البقارة ليملأ خزانته الحديدية بالأثمان.. وترتفع في دكان كريم صيراص أصوات ضربات المطرقة فوق السندان وهو يغرس المسامير في كعوب الأحذية.. وتعود فطوش الصباغة لصنع "الذرور الأحمر" من مسحوق السكر لتبيعه للبدو فيذرونه في عيونهم أملاً في الشفاء من التراخوما.. ويتحلق الرجال حول المذياع الضخم في مقهى عواد يسمعون إلى أغاني أم كلثوم.. وتبدأ نوف الوقاع جولتها التقليدية بين حوامل البلدة تعد الأيام الباقية لكل منهن حتى يحين موعد وضعها، فإذا كان المغرب. فرشت الحصير على الدكة أمام باب بيتها وفرشت معه أمام الجارات سيرة معادة للرجل الذي كان زوجها: "ليس مثله بين الرجال.. لن تنجب أبو كمال مثله.. فحل.. يدخل في الحائط.. والمكان الذي يبول فيه لا ينبت الحشيش".‏
"أكل التمر يفيد في هذه الحالة بأراجحة.. أطعمي زوجك تمراً وأنت ترين الدنيا معه في الفراش شيئاً آخر.. مسكينة.. تقتلين أيامك بلا فائدة".‏
أما المرة الثانية، فكانت يوم أعلن "دلخ" الدلال وهو يدق الطبل بأن على الناس التجمع في الساحة الرئيسية من أجل أمر هام..‏
وفي الضحى.. شهدت البلدة استعراضاً قام به جنود الـ"غاردموبيل" حول المستشار الفرنسي الذي تقدم من حصير وضع في منتصف الساحة، وعليه أوثقت قدما جابر إلى حامل بندقية، ورفعتا إلى فوق قبل أن ينهال عليهما بالعصا.. مئتي جلدة، ويطلب إلى الترجمان أن يحذر أهل البلدة من عمليات التهريب عبر النهر إلى أرض العراق.‏
كان جابر أحد ثلاثة شبان، حاولوا تهريب أكياس من الصابون عبر الفرات إلى العراق لاستبدالها بالرز والسكر "نحن ننقل الصابون لأخواننا في العراق وليس للغرباء.. بيت أختي "عانة" وأكثر عشيرة بندر في "راوة"، ومحمود سيخطب فتاة من الأهوار.. نحن لا نعترف بالحدود بيننا وبين العراق.. وليذهب إلى الشيطان هذا العسكري الواقف على حراسة المعبر مع بندقيته اللعينة.. هل يريد لنا ولعيالنا أن نموت؟.. واحد فرنساوي مثل المستشار ميرساك يلعب بالبلد ونحن نعاني الظلم والغلاء؟.. الحنطة تأخذها بالكيلو من الميرة ونصفها رمل.. حركة السوق واقفة.. عشائر البقارة والعقيدات لم تعد تنزل أحمالها إلى السوق.. إنه الجوع.. الجوع هو الذي دفعنا لهذا العمل"...‏
"كانوا فتية طيبين.. ولكنهم كانوا فقراء.. جائعين.. الحرب ظالمة.. والحنطة تنقل إلى جيوش الغرباء.. لا بد من التهريب.. عبر الفرات.. إلى العراق.. هناك تتم مقايضة الصابون بالرز والسكر.. وأحياناً بالدقيق.. والمهرب يتعرض لرصاص الجنود، فيرد عليه وقد يقتل جندياً فرنسياً على الضفة اليمنى أو إنكليزياً على الضفة اليسرى، وتكون العاقبة المعلومة: الجلد.. السجن.. وفي أحيان كثيرة. الإعدام في "سن الذبان" أعدم ابن تلك المرأة التي شقت ثوبها وخمشت صدرها ولطمت خدها يوم جاء نبأ مصرعه".‏
يومها.. خرجت البلدة في مظاهرة.. لم يجد تحذير الترجمان، ولا تهديدات المستشار، هتف المتظاهرون بسقوط الاستعمار.. وسقوط مسيو فوكو مراقب الميرة.. كانت أم جابر في مقدمة المظاهرة.. تصيح فيخرج صوتها من رقبتها الطويلة المعووقة مستطيلاً، موجعاً، حاداً، كأنه السكين.. ووراءها النسوة يندبن مثلها.. حتى إذا رأت مسيو فوكو هجمت عليه، وأمسكت بخناقه. فتخلص من يدها، وركب سيارته وهرب إلى دير الزور..‏
في الظهيرة، كادت المظاهرة أن تتفرق لولا أن جاء الخبر الصاعق: انتشلوا جثة محمود من النهر.. قتله الجندي الواقف على المعبر.. أما بندر فقد أصبح في أرض العراق..‏
حمل المتظاهرون الجثة، وطافوا بها شوارع البلدة وصراخ النسوة يختلط بوعيد الرجال الهادر حتى اضطر المستشار إلى إطلاق سراح جابر، وإلى النزول عند شرط المتظارين بأن يؤدي الجنود التحية لجثمان محمود أثناء الدفن، أو تظل جثته مرفوعة على الأكف..‏
***‏
اليوم.. كانت الثالثة..‏
خرج أهل البلدة جميعاً إلى المدخل الشمالي.. خرجوا رجالاً ونساء وأطفالاً وفي الجو ما ينذر بأن معادة ستبدأ هنا ولن تنتهي أبداً.. ستصرخ إحدى النساء.. أمه بلا شك.. وتشقق ثوبها، فتتبعها بقية النسوة بشق الأثواب وخمش الصدور ولطم الخدود.‏
الجميع في انتظار الموكب القادم من جهة دير الزور.. في العيون ترقب وهي ترصد الطريق ثم تعود على الأم العجوز المتجالدة، بإشفاق رحب ولهفة.‏
ترى.. هل سيسعفها صوتها عندما يظهر الموكب فتأتي صرختها متناسبة وعظمة الحدث الجلل؟ أم سيخونها السن فتسقط مغشياً عليها؟‏
هل ستتحمل أعصابها الصدمة، أم تسقط على الأرض ميتة؟ وهبت ريح ساخنة من جهة الغرب.. وثار في المكان غبار كثير.. ومن بعيد بدأ الموكب يقترب في عاصفة من العجاج..‏
"لا أدري لماذا خيل إلي أن العجوز أطلقت زغرودة رفيعة.. عالية.. أجابتها عليها بقية النسوة بزغاريد عالية، لم يطغ عليها سوى أصوات إطلاق الرصاص من بنادق، رفاق الفدائي الشهيد".‏
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 11/02/2008
الموقع : ملتقى الحكي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hakyi.bbactif.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى