3 ـ عادل أبو شنب/ العد العكسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

3 ـ عادل أبو شنب/ العد العكسي

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء فبراير 12, 2008 12:41 am

3 ـ عَادل أبو شَنب



العَدّ العكسي


ذات مساء، كان عبد الله رزقون يتجه إلى شاطئ البحر. كان الغبش قد حط على المدينة كأنه عباءة امرأة ثكلى، وكانت أصوات الباعة والسيارات قد جللها السواد.‏
مر عبد الله رزقون ببائع عرانيس الذرة المشوية فاشترى واحداً وراح يقضمه دونما شهية، وهو يسير إلى الشاطئ الذي كان يبدو من بعيد في عينيه صفحة فضية مشربة باحمرار شبيه باحمرار دم سال منذ لحظات ثم تخثر.‏
وسمع بكاء طفل، فأحس بالدوار.‏
كان ثمة طفل يبكي بدموع بيضاء، وكان مخاطه ينحدر حتى شفتيه، وكانت أمه تصفعه دونما رحمة، وهي تجره، بإحدى يديها.‏
وفكر عبد الله رزقون أن يهب لمساعدة الأم أو ابنها الصغير، لكنه أحجم على الفور، وهز كتفيه ومضى.‏
وتوقف بعد ثوان أمام جذع شجرة عالية، كانت العصافير تحط عليها، وراح يراقب طيران العصافير في ذهابها وإيابها بفضول لم يألفه في نفسه من قبل، ولعله شرد في وقفته تلك، وذهب فكره، أثناء شروده، إلى دهاليز قديمة، فلم ينتبه إلى تلك المرأة النصف التي وقفت إلى جانبه، ترنو إليه بعينين كحيلتين وادعتين.‏
وشكر المرأة في سره، لأنها أنقذته من شرود غير مرغوب فيه. ومن دهاليز، كالكهوف، كان يخشى الإقامة فيها، في هذه اللحظات الأخيرة، وفكر في أن يستجيب لدعوتها، لكنه أحجم من جديد.. فهو مصمم على المضي إلى شاطئ البحر، وليس ثمة من يستطيع إقناعه بالعدول عن هدفه.‏
وسار فرأى رجلين يقتتلان. كان أحدهما يقاتل بصوته، وكان الآخر يقاتل بأنيابه، ومع أن عدداً كبيراً من الناس قد جره الفضول إلى حيث المتشابكان، فإن عبد الله رزقون.. لم يأبه، وحث خطاه نحو الشاطئ، كان الشجار لم يكن، أو كأنه كان يجري في زمن ماض لم يكن هو فيه، أو في مكان مستحيل لم يزره من قبل.‏
وشعر بارتياح عميق إذ رأى البحر، وأحس بنسيم بليل يعانق وجهه.‏
وكان ثمة صخرة غير عالية، لكنها وحيدة ومتميزة، وكان عبد الله رزقون قد حدد، منذ الصباح، لمسيرته نهاية واضحة: سيصعد الصخرة، وسيقف عليها، وسيرنو إلى البحر بعينيه المتعبتين، وسيبدأ رحلة العد العكسي من العشرة.. حتى الصفر.‏
وسار على الرمل، وتسربت حباته الناعمة، عبر الحذاء المهترئ، إلى قدميه، وشعر بوخزاتها على باطن قدميه وبين أصابعه، فتوقف، وخلع حذاءه، وحمله تحت إبطه، وسار حافي القدمين، يحتضن الرمل الأحمر الناعم قدميه في تناوب سقوطهما على الأرض المترنحة، وأحس بخدر لذيذ، فقد كان الرمل أكثر سخونة من جو الشاطئ، وأقل سخونة من أن يؤذي قدميه.‏
وبلغ الصخرة فتسلقها بخفة حتى صار إلى قمتها، فوقف وهو يلهث وتطلع إلى البحر، الممتد الزرقة التي تستطيع أن تحتضن كل شيء.‏
كان ثمة مركب صغير يتهادى من بعيد بشراعه الأبيض المنتفخ. وكان الموج المتلاحق يكر في غزوات منتظمة تحمل ذرى من الماء، بيضاء، ما تزال تهجم من بعيد حتى تتحطم وتتبدد على الشاطئ المنحدر إلى داخل الماء، وكان إلى يمين الصخرة اثنان عجوزان يصطادان بصنارتين قديمتين غارقتين في مجاهل الماء.‏
وزفر عبد الله رزقون عدة زفرات، واستدار إلى الوراء، ونظر بعينين ذليلتين إلى ما استطاعت عيناه احتضانه من الطريق والشاطئ، فرأى السيارات والأشجار والأبنية والعصافير والمخلوقات كما تركها منذ لحظات.. فشعر بخجل مفاجئ يداهمه، ونظر إلى نفسه، كأنه لا يصدق أنه هو، عبد الله رزقون، قد صعد الصخرة فعلاً.‏
وأيقظه من خجله غناء آت من بعيد. كان الغناء في أذنيه شبيهاً بولولة، وحاول أن يلتقط المزيد، حتى يستطيع أن يميزه، لكنه لم يستطع.‏
وتطلع من جديد إلى البحر، وعجب إذ رأى زرقته وقد تحولت إلى سواد داكن.‏
كان الماء الأسود ما يزال يغزو الشاطئ، وكان الزبد يصنع خطوطاً بيضاء متلاحقة في هرولتها، وكان الصيادان العجوزان جالسين جلستهما الأولى، يترقبان في صبر شجاع، ما تجود به صنارتاهما الغارقتان في أعماق الماء. وخفق قلب عبد الله رزقون، وأحس بنبضه يتسارع، فرمى حذاءه، وراح يتحسس جسده براحتيه، وأحس بسخونة لحمه، فابتسم لأول مرة منذ بدأ الرحلة إلى شاطئ البحر.‏
وتذكر، بوعي متنام، بائع عرانيس الذرة المشوية الجالس إلى مشواته بدأب، والطفل الباكي بمخاطه المنحدر حتى شفتيه، والأم الحانقة، والعصافير المصفقة بأجنحتها، والشجرة العالية كأنه رمح باذخ، والمرأة النصف التي تطارد زبائنها، والرجلين المتشابكين، وحبات الرمل التي تسللت إلى قدميه، واتسعت الابتسامة على شفتيه حتى كادت أن تصبح ضحكة طويلة.‏
وبدت الحياة من حول عبد الله رزقون، فجأة، شبيهة بأغنية مولولة، كالتي التقطتها أذناه قبل قليل، وراحت المشاهد التي اختزنتها عيناه في مشواره إلى الشاطئ، تقرع الأجراس القابعة في أعماق نفسه، وشعر أن مسامه كلها قد أزهرت وتفتحت وأنه قادر على أن يعيش رغم كل شيء.‏
ونط من الصخرة إلى الأرض، ودفنت النطة قدميه في الرمل، لكنه سحبهما بقوة، ومضى فوق حبات الرمل الناعمة المترجرجة تحت قدميه عائداً إلى الطريق..‏
ودونما شعور منه دفن فكرة العد العكسي، وراح يعد من الصفر.. إلى العشرة، بتؤدة ومرح كئيب.‏
دمشق‏
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 11/02/2008
الموقع : ملتقى الحكي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hakyi.bbactif.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى