4 ـ زكريا تامر / أبناء التراب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

4 ـ زكريا تامر / أبناء التراب

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء فبراير 12, 2008 12:47 am

4 ـ زكريا تامر




ا ـ أبناء التراب


سئم أحد الأنهار مجراه في الحقول والقرى، ورغب في مغادرته والوصول إلى مدينة ليست بالبعيدة والتسكع في شوارع سمع الكثير عن مبانيها الشاهقة المتفوقة على الجبال، ولكنه كان كسولاً، فبقيت رغبته مجرد حلم في الليل وأمنية في النهار، وتنبّه يوماً لأطفال يلعبون على ضفته ضاحكين مطلقين الصيحات المرحة، وراقبهم بفضول، وتاق إلى مشاركتهم في اللعب، ووجد نفسه يتخلى عن كسله ويهجر مجراه مندفعاً نحو الأطفال محاولاً اللعب معهم، فبوغت بالأطفال يصرخون فزعين، ولاذ بعضهم بالهرب مبتعداً عنه بأقصى سرعة، وطفا بعضهم الآخر على سطحه جثثاً هامدة خنقها ماؤه ولم تعد قادرة على اللعب بمرح، فاستغرب النهر ما حدث، وفقد رغبته في اللعب، وانسحب من الضفة عائداً إلى مجراه مقسماً ألا يغادره.‏
وهرع رجال إلى النهر، وانتشلوا من مياهه الأطفال الغرقى مدّعين أنه قاتل، فاكتأب النهر، وأقسم أنه بريء، ولكن الرجال لم يسمعوا سوى خرير يقوى ويضعف ويعلو وينخفض.‏
أما الأطفال الناجون، فقد عادوا إلى قريتهم القريبة من شاطئ البحر فرحين بهربهم من هلاك محتوم، وكانوا أطفالاً صفر الوجوه ذوي أجسام هزيلة مغطاة بثياب مهترئة، لا يعرفون الإحساس بالشبع، ولا يذهبون إلى المدرسة كل صباح، وقد سمعوا صوتاً مجهول المصدر يناديهم ويحضهم على الانتحار، ولم يسمع الكبار غير صوت مذيع يصف بحماسة وقائع مباراة في كرة القدم.‏
وأنصت الأطفال بخشوع للصوت الغامض، ووجدوا أنفسهم يهرولون نحو البحر، ويلقون أجسادهم في مياهه مستسلمين لها، ولا يحاولون السباحة أو الاستغاثة.‏
وبعد أيام قليلة، قذفت أمواج البحر إلى الشاطئ جثث الأطفال، وكانت وجوههم زرقاً ضاحكة يغمرها الاطمئنان والغبطة، فعمّ العويل القرية التي باتت بغير أطفال، ولكنه لم يمنع رجالها من حراثة الأرض وزرع البذور وانتظار مقدم أمطار الشتاء وشموس الربيع والصيف، ولكن الأرض فاجأتهم في الربيع بأنها لم تنبت أية نبتة، وقصف رعد في غير أوانه، فتشققت الأرض، وانبثق من جوفها أطفال غاضبون، متجهمو الوجوه، مدججون بالأسلحة المتنوعة، نفضوا ما علق بأجسادهم من تراب، واستولوا على ما يغطي عريهم، وساروا في دروب ترابية تتلاصق على جانبيها بيوت طينية واطئة أثارت استنكارهم واشمئزازهم، فطردوا سكانها منها، وأحرقوها، وتوقفوا قبالة مسجد ذي مئذنة عالية، وطردوا منه المصلّين المتظاهرين بالتقوى والصلاح، وطلبوا إلى شيخ المسجد أن يصعد المئذنة ويؤذن، فاعترض قائلاً إن صلاة الظهر لم يحن وقتها، فأمروه بأن يؤذن الأذان تلو الأذان بغير توقف، فأذعن الشيخ لأمرهم بينما تابعوا مسيرهم يرافقهم الأذان المنطلق من مكبرات الصوت، وفتشوا كل من صادفهم من المارة، وأحرقوا كل ما عثروا عليه في جيوب المارة من نقود قليلة غير مبالين بتوسلاتهم، فحاول رجال الشرطة اعتقالهم، فأخفقوا واحترقوا أحياء، واحترق مخفرهم، وتابع الأطفال مسيرهم حتى وصلوا إلى أحد القصور، فصاح بهم حرَّاسه الأشداء بأصوات غليظة زاجرة: "اللعب هنا ممنوع، العبوا في مكان آخر".‏
فانقض الأطفال على الحراس تواً كأنهم سقف انهار بغتة، وتناثرت جثث الحراس على إسفلت الطرقات المحيطة بالقصر، مبتلة بدمائها، ممزقة، ولم يبق أمام الأطفال ما يمنع دخولهم القصر، فاقتحموه صامتين، ووجدوا مالكه جالساً إلى مائدة الطعام يحكي ويضحك ويتناول طعام الغداء مع زوجته وطفلته الرضيعة، ولم يسمحوا للزوجة بأن تغسل أسنانها بعد الطعام، وماتت الزوجة والطفلة خنقاً ودهساً تحت الأقدام الصغيرة، ودفن مالك القصر حياً تحت أغصان شجرة فاكهة، وأحرق الأطفال قصره، وانطلقوا نحو قصور أخرى.


ب ـ رجل في شارع مظلم


كان شادي الحلو واقفاً في الشارع المظلم الخاوي متردداً بين الذهاب إلى بيت عشيقته أو بيت أمه أو بيته، فطعنه فجأة خنجر طعنة واحدة عنيفة في الجانب الأيسر من صدره، فصرخ متوجعاً، وتمكن من رؤية وجه من طعنه، وكان وجهاً لم يره من قبل، وارتطم شادي بالأرض مرتمياً على ظهره، وتبللت أصابع يديه بدمائه المتدفقة بغزارة من صدره، فحاول الاستغاثة، ولكن استغاثته لم تكن غير أنين متوجع خافت، واقترب منه قط صغير، أبيض اللون، وشرع في لعق الدماء النازفة على الرصيف، فلم يحاول شادي إبعاده، وأغمض عينيه، ودخل بيت عشيقته التي استقبلته بوجه مكفهر متسائلة : لماذا تأخرت؟ أين كنت؟ هل كنت تقامر كعادتك أم كنت عند عشيقة جديدة؟‏
فقال لها إنه تعبان، ومحتاج إلى الراحة والنوم، وأدهشه أنها لم تنتبه إلى الدماء التي تلطخ صدره، واستلقى على السرير وهو يشعر أن تعبه يزداد، فأغمض عينيه، ولم يفتحهما إلا عندما سمع ضوضاء أطفال، ورأى أربعة أطفال غرباء يتضاحكون بمرح، فسأل عشيقته عنهم، فأجابت أنهم أولاده لو بقي حياً ولم يمت، فصاح بها رجل عجوز ملتح قائلاً لها بصوت مبحوح متهدج : اخجلي من أبناء الزنا يا فاسقة، ولا تنسي أن رجال عائلتك يقطعون رأس الحية ويقتلون القتيل ويمشون في جنازته.‏
وقال العجوز لشادي بصوت غاضب مؤنب : من سمح لك بالدخول إلى هذا البيت؟ كل بيت له حرمته، ولا يدخله إلا الرجل المتزوج على سنة الله ورسوله.‏
وانتزعه العجوز من السرير بقوة غير متوقعة، وأرغمه على مغادرة البيت، فقصد شادي بيت أمه، وفتحت له أمه باب البيت قبل أن يقرعه، وهمت بمعانقته وتقبيله، فدفعها عنه قائلاً لها :ستتوسخ ثيابك بالدم، وتتلف يداك في غسلها وتنظيفها.‏
فسألته ما إذا كان جائعاً، فلديها مصادفة كل الأطعمة المفضلة لديه، فقال لها إنه تعبان ويريد أن يستريح وينام، فقالت له : غرفتك لا تزال على حالها منذ أن تركتنا وعشت وحدك.‏
فهرع شادي إلى غرفته، وتمدد على سريره، ونام فوراً، وصحا بغتة على شرطي جلف يهزه قائلاً له : إنهض.. بلا كسل.‏
وجره الشرطي إلى أرض واسعة جرداء، وأعطاه معولاً ورفشاً، وقال له بصوت صارم آمر : هيا احفر.‏
فقال شادي للشرطي إنه تعبان ويريد أن ينام، فقال له الشرطي مهدداً : إذا لم تحفر بنشاط وهمة، فعصاي ستأكل من لحمك وتكسّر عظمك.‏
فأطاع شادي، واستمر في الحفر مدة طويلة حتى نجح في حفر حفرة تتسع لشخص ضخم، وقد أغرته بالاستلقاء فيها، ورأى الرجل الملتحي والشرطي يتعاونان بحماسة على ردم الحفرة التي يرقد في قاعها، ورأى قابلته تتفرج على ما يجري مبتسمة وقاتله يحوص مرتدياً ملابس سوداً، فأغمض عينيه، واستسلم لسبات عميق طويل.‏
وعندئذ توقف القط الصغير عن لعق الدم، وماء خائفاً، وابتعد عن الجثة عندما اقتربت منها جرذان ضخمة جائعة.
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 11/02/2008
الموقع : ملتقى الحكي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hakyi.bbactif.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى