"الزهد في الأضواء" و "كتابة الصمت" في رياح و أجراس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

"الزهد في الأضواء" و "كتابة الصمت" في رياح و أجراس

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 28, 2008 12:30 am

"رياح وأجراس"
مجموعة قصصية للكاتب القصصي فهد الخليوي



" الزهد في الأضواء" و"كتابة الصمت "

بقلم/علي الدميني
باطمئنان مبكر يمكنني القول بان " فهد الخليوي " الإنسان ، والكاتب ، والمبدع ، ينتمي إلى شجرة صحراوية تمتلك قدرتها على التعاطي مع وسطها الحياتي – في مختلف أبعاده- وفق منطلقين هما : الزهد في الأضواء ، والاحتفاظ بالقدرة على متابعة "كتابة الصمت" الفاعلة، مدفوعا بوعيه الثقافي وحساسيته الفنية ، في صياغة معادلة ذهبية تضمن للذات استقلاليتها وتفردها إزاء تعالقاتها مع الواقع وإكراها ته.

وهذه الشجرة من الكتاب الذين عرفتهم ساحتنا الثقافية المحلية في المملكة ، (من "حمزة شحاته، ومحمد العلي إلى فهد الخليوي ، وأقرانه )، تمتعت بقدرات متفردة مكنتها من المحافظة على معادلات الحرية والاستقلالية الذاتية ، إزاء اشتراطات التواصل مع الآخر، وامتلكت الجرأة والجلد على نقد أنجاز الذات المبدعة أولاً، من خلال نسيانه أو حجبه عن الظهور، وبالتالي امتلكت الشجاعة والمصداقية في نقد منجز الآخر تالياً، بحيث استطاعت من خلال ما انطوت عليه من ملكات " الزهد" في الأضواء والشهرة، أن تمضي في العمل على إبداع كتابة تتسم بالجرأة و الصدق و التقشف في آن .

ولعل في هذه التشكيلة الثقافية والإبداعية والنفسية لهذا النمط من الكتاب، ما يفسر لنا أسرار " الزهد " في جمع كتاباتهم بين دفتي كتاب، مثلما غدت حاضناً فنياً لا يمكن أن يرشح عنه إلا تلك الكتابات الاختزالية المكثفة ، التي تغلف ما ينشرونه في الصحف السيارة ، للتعبير عن انشغال كل منهم بالبحث الدائب عن أنموذج فني يجعل الكلام قريباً من الصمت الموجز، والبوح المرموز، المحمّل بطبقات كثيفة من إمكانات التأمل والتأويل.

2- لا نحتفي بمجموعة " فهد الخليوي" الأولى، من خلال النص الماثل بين أيدينا وحسب، وإنما نستحضر البعد الزمني العميق الكامن خلف هذه الإطلالة المتأخرة، لأكثر من ربع قرن على الأقل، لنرى إلى كاتب وقاص عمل في سياق تطور مفهوم الكتابة الأدبية في بلادنا، منذ أوائل السبعينيات الميلادية ، وحتى اليوم. ذلك أن الكاتب ومجايليه، المهمومين بقضايا الكتابة الواعية والمتجاوزة ، كانوا من الأسماء المؤسسة لحساسية كتابة مغايرة، ومغامرة أيضاً، شهدت على أزمنة التحولات المفصلية في حياتنا الثقافية، فغدوا نصاً آخر اختط طريقه ، وأثث بيته الأدبي وفق ما استدعته المرحلة من معادلات التحدي والاستجابة...التفاعل والتراكم... الحنين والإفاقة.
"فهد الخليوي " اسم يحتلّ في الذاكرة مساحة أكثر غنى وتأثيراً من جماليات نصوصه التي استمتعت بقراءتها ضمن هذه المجموعة وخارجها، لأن كتابته الثقافية والإبداعية ، التي احتفظ قراؤه ومجايلوه بفاعلية حضورها أكثر مما زهد الكاتب في الحفاظ على نصوصها الأصلية ( حيث مزق الكثير منها ) ، تؤرخ لمرحلة انتقال من ذائقة إلى ضدها، ومن حساسية إلى بديلها، على الصعيدين الدلالي والجمالي معاً.

فهد الخليوي " شكّل مع آخرين قنطرة للعبور ما بين حالين ، وما بين مناخين ، مشتبكين بجدل المبنى والمعني، و أخطوطة الرؤيا والتعبير، وشراسة البحث عن أفق دال على ذاته، إلى مدلول يبحث عن تحقق تلك الذات.
وتحفل قصته " أجراس " ، من خلال بطل النص الذي يضطر لحمل متاعه وكتبه ومغادرة بيته القديم في إحدى الحارات الشعبية، بما يدلنا على الكتابات المؤسسة لوعي السارد في تلك المرحلة التاريخية ، حيث يقول " أخذ يشحن الكتب ذات الحجم الأكبر.. (الوجود والعدم)، يحتاج بمفرده لكرتون (الحرية سابقة للوجود العدم خارج الوجود) سارتر أديب وفنان .... ،( تدهور حضارة الغرب) لاشبنغلر ، ثلاثة أجزاء ، تحتاج لأكثر من كرتون......ستنتهي مهلة اليومين وأنت تقرأ قبل أن يجيبك هذا الموسوعي الجبار على سؤالك ، أما (هكذا تكلم زاردشت) فأقل حجما ويمكن شحنه مع بقية الكتب (على كل سائر أن يكون جسرا للمتقدمين وقدوة للمتأخرين) نيتشه.....

ومنذ كتاباته المبكرة في الصحافة المحلية في مطلع السبعينيات، اختط " فهد الخليوي " لنفسه، مساراً واضح المعالم ، لا يركن إلى المهادنة أو استمراء مجانية الكلمة، كما لم ينخدع بما تعد به من مغانم زائفة. ولذلك ذهب إلى صومعة "الزهد" الفاضلة منذ مطلع التسعينات، بعد أن أسهم بشكل فاعل في الأشراف على الصفحات الثقافية في مجلة " إقرأ " ، و حفر اسمه خلالها كمثقف تنويري، ومبدع يعمل ضمن سياق الباحثين عن رؤى متسائلة ، وآفاق ممكنة "لكتابة جديدة".

3-
أيها الصامتان الوقوران كالثلج فوق المآذن
والوشم في عتبات المكانْ
كيف تبلى الليالي بأقراطها البيض بين ثياب المدينة ،
من دون سوءٍ ،
ولا تبليانْ

غابةً كنتُ، لكنني قد حسبت بأنكما
طائرانْ
توّج الصمت حبركما
فامنحاني من الحبر ما يترع القلبَ
قبل انطفاء الأوانْ.

في أواخر عام 1990م، الذي ينطوي على العديد من الدلالات، حضر الصديقان، المغموسان في طيات حضورهما البهي في ذاكرتي (فهد الخليوي و جبير المليحان ) في هذا النص القصير ، متيمناً فيه، بكتاباتهما المكثفة، و واقفا من خلاله أمام ما تميزا به من جماليات " صمت الكتابة" ، و " الزهد في الأضواء "، و مؤملاً في نفس الوقت أن يعاودا ملء فراغ موقعيهما الشاغرين في حراك ساحتنا الثقافية .
ولكم تغمرني مشاعر البهجة الخاصة اليوم باحتفائي بموافقة " فهد الخليوي" على إصدار مجموعته القصصية الأولى عبر نادي " حائل الأدبي "، و ممارسته لدوره الثقافي من خلال ديوانية " القلب المفتوح " في دارته المحروسة بشمال جدة، مثلما كنت قد سعدت من قبل بمعاودة " جبير المليحان " شغفه بالإبداع القصصي ، وحضوره كفاعل مؤثر، عبر مواقعه العديدة ، في ساحتنا الثقافية .

4- وإذ لا يتيح لي فضاء كهذا الذي اخترته كمقدمة احتفائية بموافقة "مبدعنا " على المضي في تجربة نشر مختارات من نصوصه القصصية، لتدوين قراءة مستمتعة بالنص، فسأكتفي بالإشارة إلى ما تحفل به هذه المختارات من ممكنات القراءة التأويلية المبنية على مفهوم النص القصصي القصير ، من حيث ارتباطه بالسرد البدائي وبناه الأسطورية الرمزية ، القريبة من تشكيل البنية الشعرية ، في ارتكازهما على " التكثيف لا التوسع ، والتركيز لا التشتيت " ، بحسب الناقد عواد علي " *،( وأذكِّر القارئ هنا بأن القاص يكتب القصيدة إلى جانب كتابته للقصة القصيرة ، والقصيرة جداً ).
ولذا فإننا نلحظ في هذه القصص غياب البعد الواقعي ( الكنائي) للشخصيات والأمكنة، وحضورها كشخصيات وأمكنة مؤسلبة ، أكثر من حضورها كذوات حقيقية ، كما يقول بذلك " نورثورب فراي ". فالمرأة في قصة " سطور من تراث الوأد " التي تتعرض إلى عملية وأد جماعية ، لا تحيل إلى مخيال امرأة محددة الملامح والسيرة الحياتية، وإنما تتحول إلى مكمن للتأمل والتـأويل، يستذكر تراث الوأد القديم والمعاصر للمرأة، مثلما تغدو موازيا رمزياً لوأد الحقيقة ... وأد المستقبل... و وأد الحرية أيضا.
والمرأة في قصة " ظلام " لا تشير إلى كينونة إنسانية بذاتها وحسب ، وإنما إلى حالة اجتماعية عامة تشمل الوجود الفردي والجمعي معاً ، حتى يصبح التعبير عنها في النص دالاً على صراع رغبات مقموعة و هواجس مضمرة لكسر حواجز القيد، تتهيأ لكشف الحجاب عن مكنوناتها، التي غشيتها الظلمة من شدة لبس (القناع / الأقنعة).
فالقناع لا يخص المرأة المؤسلبة في النص، وإنما يغدو دالاً شديد الاتساع لحالة مجموعة من الناس ، أو قوم من الأقوام، هم في أمس الحاجة لنزع الحجاب عن أعينهم ، لكي يروا واقعهم كما هو، ولكي يبلغوا مساحات الأزمنة المضيئة.
ويمكن أن نمد زاوية النظر إلى تلك التقنية الكتابية في بنائها لفضاء الأمكنة، حين نرى إلى أن " القرية التي هجرتها شاحنات القمح " بفعل سطوة سيد الأرض، وأن المدينة التي تقاوم التغيير فيما تهددها الريح ، ليست قرية بذاتها ، أو مدينة بعينها، وإنما هي أمكنة مؤسلبة ، يمكن أن نتقرى فيها ملامح التعبير عن الذات الإنسانية ، والكيان الوطني ، وعن الأمة الباحثة أيضاً، عن أفق للتشكل الجديد ، عبر رؤى أعين قلقة على مصيرها ، و باحثة عن مستقبلها في هذا الكون.

وفي هذا السياق لا أجد أجمل من اجتزاء مفتتح كتابة الدكتورة"شادية شقروش " من الجزائر عن مجموعة الخليوي بعنوا ن " سلــطة الكتابة بين المبدع والمتلــقي قراءة في نصوص فهد الخليوي السردية"، والتي نشرتها في صحيفة عكاظ على مدى ثلاث حلقات ، قائلة : (( يرتكز المقياس الجمالي والفني والحضاري على إنتاج المتميز والأجمل والخالد، وبصورة أدق، المختلف.
من هذا المنطلق يكون الإبداع الحقيقي في براعة البناء والسعي إلى مخالفة السائد، والمألوف، وبالتالي فالتمرد الأدبي القائم على رؤيا فيها نوع من الصفاء والحكمة، سيقودنا بالضرورة إلى الاختلاف، لذا كان لكل انحراف وعدول منطقه الخاص.
من هذا المنطلق تصبح الكتابة عنتا والقراءة متعة أو ما يسميه رولان بارت (Roland Barth)- "لذة النص)). **

ولا شك عندي في أن ما يكتبه القاص "فهد الخليوي" يقع ضمن هذا الإطار الذي نستمتع به ، ونتشوّف معه إلى مزيد من العمل الدءوب على الاستمرا رفي تطوير فاعلية ما يضمره من إضافة وتميز.

* عواد علي – صحيفة الزمان – 27/1/2003م
** شادية شقروش – جريدة عكاظ – 7/9/2007م
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 11/02/2008
الموقع : ملتقى الحكي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hakyi.bbactif.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى