خيبات المرحلة، وتشوهاتها في عشر قصص عربية (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خيبات المرحلة، وتشوهاتها في عشر قصص عربية (1)

مُساهمة من طرف أنيسة أبيض في الجمعة مارس 07, 2008 6:18 pm

خيبات المرحلة، وتشوهاتها في عشر قصص عربية(1)

بقلم: زكي العيلة *


تعتمد هذه المراجعات قصصاً عربية نُشرت ورقياً، أو رقمياً، يمكن للمتتبع أن يعثر فيها على جملة من القضايا التي تثري أشياء ما في داخلنا.
هذه المتابعات تقشير لتلك النصوص في محاولة لاستخراج ثمارها والكشف عن مكنوناتها، مسجلاً أن الدافع الأساسي الكامن خلف اختيار هذه النصوص راجعٌ إلى تعدد تقنياتها السردية وتباين مضامينها، مع التوكيد أن الهم الإنساني كان المآل الأساسي لمحاور تلك القصص دون الالتفات إلى معايير أخرى.
والقصص المستهدفة بالدراسة هي:
1.(لقاء)، نجلاء محرم (مصر).
2.(مأمورية)، سمير الفيل (مصر).
3.(الأرامل لا تتشابه)، عبد الله المتقي (المغرب).
4.(ما رأته الفراشة)، تيسير نظمي (الأردن).
5.(أوراق من دفتر عاشق مجهول)، عبد الحميد الغرباوي، المغرب.
6.(نون)، الدكتور أحمد فنديس (مصر).
7.(اللصوص)، خالد السروجي(مصر).
8.(فرسان الليل)، نزار الزين (سوريا).
9.(انطلاقة)، الشربيني المهندس (مصر).
10.(سجادة الصلاة)، كلاديس مطر(سوريا).

*
تعتمد قصة (لقاء) لنجلاء محرم(1) لغة شفافة تتكئ إلى تقنية السارد الموضوعي العليم، وهي ترصد التناقض بين عالمين متجاورين تفصل بينهما حواف وحواجز شائكة (ثراء وفقر، بذخ وانسحاق، رفعة وقهر).
تضيء الكاتبة مجموعة من المتناقضات من خلال وقوف سيارة سوداء فارهة معطرة للحظات في شارع ضيق متعرج، ينز بركاً موحلة، وروائح عطنة وقمامة، تشف عن واقع اجتماعي قاسٍ يطوق ساكنيه.
عبر زجاج السيارة التي غادرها السائق ذي الملابس الرسمية للحظات ممتلئاً بالرجاء والتوسل، وصلت إلى الطفل المرفه القابع في السيارة صورةُ طفل آخر في مثل سنه، بوجه قذر، وأكف متسخة، تمتد براءة الطفولة إشارات تستوعب للحظات الطفلين اللذين يحملان الاسم ذاته:
محمد بشفتيه الحمراوين، ويديه البضتين الناعمتين وسيارته الفارهة المترفة ومحمد الآخر ذي الشعر الأغبر المشعث واليدين القذرتين والشارع المنسي المنسحق، حيث ينخرطان في ألعاب طفولية تجمع بين النقيضين القادمين من بيئتين لا تلتقيان، ليكتشف الطفل الأول أن هناك ألعاباً أخرى (غير فخمة أو وثيرة) تجلب البهجة، كحجارة السيجة المتسخة والعصا الطويلة المربوطة بها مُزق من القماش، يقفز بها مع الآخر حصاناً يخوض وحل الشارع.
تقتص الطفولة لبراءتها، وهي تحاول أن تستر التناقض القائم بين عالمين مختلفين، غير أن الحضور السريع للسائق يلوث آفاق تلك اللحظات حين ترتفع كفه القاسية لتهوي على خد الطفل-المنسي- ناعتاً إياه (بالشوارعي المتشرد) الذي ينسحب كتلةً مثقلة بالدمع، في اللحظة التي يدلف فيها محمد (الطبقة الثرية) إلى محبسه الفخم المتحرك.
وكأن الكاتبة تريد أن تقول إن هاتين البيئتين لن يتلاقيا مادام هناك مستغِل ومستغَل، ميزان العدل الاجتماعي لن يستقيم بإجراءات ترقيعية تجميلية، بل إن السائق الذي يُفترض فيه أن يكون من الطبقة الكادحة، نجده يتنكر لطبقته دون أي إحساس حفاظاً على فتات يتصيده.
النص صيحة تحذير، فالبراءة الطفولية التي جمعت بين واقعين متباينين صدفة ستتحول إلى أنياب تعزز الانفصال والتنافر بينهما مادام الخلل الاجتماعي هو السائد.
* * *
يرتكز نص (مأمورية) للقاص سمير الفيل(2) على شخصية محورية مُنتزعة من واقع البيئة المصرية التي تتصالح داخلها المعتقدات، وتتباين الهموم والأوجاع، فهذا الأنموذج الإنساني (جرجس أفندي) الموظف البسيط الموغل في طيبته-الصعيدي المنشأ، السكندري الإقامة- يحلم بسفرية، يُتوجُها باستلام دروع تفوقه في التوجيه على مستوى القُطر من الوزارة، حيث تملؤه وصايا زوجته إيفون بالذهاب إلى سوق المنيرة حالما ينتهي من مأموريته "ففيها الكوسة مجرودة، ومحفورة القلب، وحبات الباذنجان الرومي نفس الشيء، والفلفلة الخضراء التي هي فاكهة المحشي دون غيرها".
وعبر بعض التفاصيل الصغيرة التي يختلط فيها الراوي الموضوعي العليم بتقنية تيار الوعي، نتعرف على فجيعة ذلك الأنموذج المتفوق، المنسي الذي أجبرته اللوائح الوظيفية على الانحناء، والتمزق وطأطأة الرأس بحثاً عن إمضاء وكيل الوزارة، ذلك الإمضاء الذي يعني المنح أو المنع :"مد يده بالورقة، وبصعوبة نطق، كأنه يخرج جملا من سم خياط : سيادتك، ذاهب مأمورية.
دار وكيل الوزارة بالكرسي الهزاز، دورة ونصف ثم واجهه وهو يدعك عينيه المحمرتين: فين؟
فتح الله عليه بالكلام، بعد أن بعثت فيه إيفون الحماس، ثم ما لبثت أن تبخرت في الهواء، لكنه كان قد تعافى من وعكته، وانطلق لسانه كالفرقلة: الوزارة يا أفندم .ربنا يعلي مراتبكم...
مهر الورقة قرفاً بتوقيع أقرب إلى البصقة، لكن جرجس الحريص على السفرية سحب الورقة بود بالغ، وهز رأسه امتنانا: شكراً يا افندم. ما نتحرم أبداً من توقيعكم الكريم.
فعاجله وكيل الوزارة بلطمة أقوى من الأولى: لا تنس أن تغلق الباب خلفك يا تيس".
وفي محاولة منه لإقناع نفسه بالخنوع والرضا بالهزيمة بدلاً من مواجهة عبثية لن تؤدي إلا إلى مزيدٍ من إذلاله، نجده يستعين بتبريرات شتى، لعلها تمنحه لحظة هدوء غائبة في مواجهة الإحباط، فشتيمة (التيس) لم يسمعها غيره، وبالتالي لا ضرورة لإشاعتها "والكلمة العيب لما تطلع من أهل العيب تبقى مش عيب!"
وبدا سعيداً وهو يحاول إجبار نفسه على الاقتناع بأن وكيل الوزارة رجل خباص، وينطق الغلط بحكم منصبه لا أكثر وعليك أن تمشّي أحوالك ، وتكون مثل الجميع . إن شُــتموا صمتوا، وإن أُغلق المصعد في وجوههم صعدوا. هل على رأسك ريشة يا أخي؟
وحتى لو جأر بالشكوى للإدارة القانونية كما نصحه زميله العوضي - المغبون مثله- فإن مصير الشكوى كما أعلمه صديقه محمد أفندي سيكون سلة المهملات (مع زرع الجواسيس حوله تصيُّداً لخطأ طفيف يتم به نحره. وهنا استقر الرأي على أن من شَتم فقد شتم نفسه، وأن أي رجل أصله يمد لسابع جد، وهذا جده بلا شك دون خسيس، ثم أنك لن تدخل له كل مرة بورقة طلبا لمأمورية!).
ورغم جنوحه لابتلاع تلك التبريرات إلا أن شعوراً حاداً بالانفصام يتعمق في داخله، ويضيف إلى قهره الاجتماعي قهراً نفسياً ولَّد فيه شعوراً حادًا بالضياع والانكسار والهزيمة أمام زوجته حين لم يستطع أن يكون رجلها في ليلة صعبة لم يبرق فيها نجم واحد:
"كان الحر قد لفح الجدران ومس الأجساد فاكتفت بغطاء خفيف، وفي الظلمة الداكنة اشتجر الجسدان وسمعت أنين روحه، وسرى في جسده نحيبه الخافت رغم الدلجة. مدت يدها نحو وجهه فلامست دمعاً رقيقا كان ينحدر على الوجنتين بلا صوت، فعانقته حتى الصباح، وغفا بين ساعديها كطفل فيه براءة النرجس".
ويتضح البعد الإنساني لذلك الأنموذج الذي يعيش آلام الناس المهمَّشين المنسيين في إشفاقه حتى على الهياكل الدقيقة البائسة للقطار التي يتعامل معها ككائنات لها روح. وتبدو أحاسيسه الإنسانية جلية، عميقة حين يُحضّر، وهو قابع في عربات الدرجة الثالثة البالية في القطار بعفوية وتلقائية نصف الجنيه ليعطيه للمرأة المسحوقة، المقطوعة الذراع التي رمت على ركبتيه دفتر آية الكرسي قبل أن تختفي.
كما تتضح إنسانيته المشعة أيضاً في سعادته بالطفل الذي حمَّلته إياه المرأة التي أرادت أن تسوي فستانها "الملس" الأسود، وتحكم إيشاربها. فكان الطفل الرضيع وهو يحتضنه ويقبله ويناغيه بمثابة ولده هاني:
"كان القطار على وشك الدخول إلى محطة مصر، فهزت المرأة رأسها وحيّته، وصمم هو أن يضع بين يدي الطفل الدقيقتين جنيهاً كاملا، وضعه، فأفلته، فطواه ودسه في لفة التيل تحت غطاء القطن شاهق البياض المشغول بوردة، وغادر المكان دون أن ينتظر تمنعها".
وتكتسي الخاتمة في النهاية بالطابع الرمزي حين يعمد ذلك الأنموذج المختنق بأوجاع الإهانة التي تطارده حتى وهو يتفحص تمثال رمسيس الذي بدا له يحمل وجه تيس إلى التمرد على كل القناعات المتصلة (الهشة) التي حاول استدعاءها في معرض تبرير خنوعه، مؤثراً التحدي الذي يحفظ صلابته كرجل مستقيم أجهضه قهرُ المرحلة، وأذلَّته انتكاساتها:
"حين بلغ الدور الرابع كان يلهث وعرقه يتفصد من وجهه، لكنه عاد في العشرين من عمره، فرفس الباب الثقيل بقدمه، وتقدم من المكتب الدوار، وجذب وكيل الوزارة من رابطة عنقه، وقبل أن يلكمه، شخط فيه: قل أنك مـَرَة، والرجل من حسرته عملها على نفسه، وبان البلل واضحاً في نفس المكان بالضبط، في مثلث مقلوب بين الفخذين، وقد كانت اللطمة على صدغه الأيمن كافية جداً كي يدير له وكيل الوزارة بجسده الرجراج المربع الصدغ الأيسر، وهو لم ينصت لتعاليم السيد المسيح ولطمه، ولم يتركه قبل أن ينطق بوضوح والناس في الخارج يدقون بقبضاتهم الأبواب: أنا تيس. والله سيادتك يا جرجس أفندي رجل محترم. أنا وكيل وزارة تيس!".
ورغم أن الرد جاء فردياً، يحتاج إلى حِراك اجتماعي أكثر شمولية ليسنده، لأن مسببات القهر والتهميش لن تنتهي بصفع وكيل الوزارة، بل إنها ستزداد شراسة، إلا أن القصة تحمل قدراً كبيراً من الصدق بعيداً عن أي تفاؤل زائف، مصطنع، فغياب العدل الاجتماعي، وطغيان الخلل والمعايير الفوقية الشوهاء، يحيل الواقع إلى أكوام من الخيبات، والتأزمات والإهانات التي تنهرس تحت وطأتها التكوينات الاجتماعية كافة، بما في ذلك الوكيل نفسه المنخور بإهانات فوقية أصلاً، وتلك هي مأساة الإنسان العربي الحالم بواقع تُحترَم فيه إنسانية الإنسان.
* * *
(الأرامل لا تتشابه) للقاص عبد الله المتقي(3) نص قصصي يرصد دون زعيق، أو التواء أو تعقيد الأحاسيس الإنسانية المتلاطمة داخل وجدان امرأة رحل زوجها مبدع القصائد المحمَّلة بالحياة.
عبر تداخل الأصوات السردية، وانتقالها من السارد الموضوعي العليم إلى السارد الذاتي مستعينة بتيار وعي تلك المرأة الموجوعة حين ترتد إلى عالمها الداخلي، نتبين حجم العلاقة التي وصلت حد الانصهار بين الزوجين العاشقين، بحيث أصبح لحياتهما مذاق مخاضات القصائد ذات الطعم المختلف الذي ليس كمثله شيء.
وعندما يسقط الشاعر صريعاً وهو ينحت قصيدة أحرقه أتونها تتحول المرأة إلى روح معذَّبة، تعصف بكيانها العزلة والوِحدة القاسية، تتشمم أشياءه، تستجير بها في زمن الشدة، تتحسس بعينيها رفوف مكتبته التي ما زالت مكتظة بالكتب التي أكلت عينيه، تتجمد أمام صورته المعلقة على الجدران، مشحونة بالذكريات الهادرة:
في مساء قديم، كان هنا يمسح الغبار العالق بزجاج هذه الصور وحين سألته عن السر في تلميعها كل يوم، ابتسم بحزن كبير وقال: الشهداء لا يسقطون من الذاكرة.
ـ شهداء؟
ـ شهداء القصيدة .."
تنقضي ساعاتها وهي تستنشق رائحة مقتنياته الباقية، لفافات تبغه، قهوته السوداء، قلمه، أرقه، ذوبانه تحت سنابك قصيدته طقال لها : أكثر من قصيدة سحقتني، وأكثر من قصيدة ما زالت عالقة بذاكرتي، قد تأتي وقد تتمدد جانبي في النعش لتؤنسني في منامي الأبدي".
إحساسها بدورة الزمن توقف منذ خرج محمولاً على نعشه من رحم تلك الغرفة التي لم تعد تدخلها الشمس، تحس كأنما الزمن قد صُلب على حيطان تلك اللحظة، لتأتي الخاتمة تكلل الحدث بتلقائية وانسيابية سلسة تحس معها وكأن الكائنات قد توقفت عن الحراك حينما راحت المرأة تفتح ببطء مسودة قصيدة أسالت دموعها حين قرأها على مسامعها ذات ليل قديم:
"أخطأ الموت
فعلقني في حبل
ا
ل
م
ش
ن
ق
ة
بدل أن يدليني من سقف القصيدة".
ولعل المتأمل للحروف المتعامدة لكلمة (المشنقة) يمكنه أن يتبصر أنشوطة تعلوها في انتشاء باحثة عن روح تعتصرها نتفاً مخنوقة.
وإذا كانت الزوجة قد غلّقت الباب خلفها فإن بوابات جرحها لن تندمل أو تنغلق في عالم أضحى خراباً بعد فجيعتها برحيل أنيس روحها الذي لا يتشابه مع شيء، كما لا تتشابه هي في فجيعتها مع باقي الأرامل في أي شيء.

ـــــــــــــــ
يتبع

أنيسة أبيض

المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى