عبور نحو "الضفة الأخرى" للبشير الأزمي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عبور نحو "الضفة الأخرى" للبشير الأزمي

مُساهمة من طرف حسام الدين نوالي في الخميس مارس 20, 2008 5:19 pm

العبور نحو "الضفة الأخرى"
حسام الدين نوالي-المغرب

العبور نحو "الضفة الأخرى" هو سير باتجاه ملامح النقص في مجتمعات ننتمي إليها، العبور هو الرحيل ملء الثقافة والوعي، وهو بالتالي تأسيس، فيما التأسيس يغدو ترتيبا للملامح، وعودة للأصل فيما يشبه سيرة أية حضارة أو فكر. والعبور نحو "الضفة الأخرى" هو الدخول إلى عوالم سردية يرسم خطاطتها ومساراتها "البشير الأزمي" في تجربته الأولى.(1)

مدارات السياق والنص
تنبني أسئلة التأسيس "للضفة الأخرى" على وعي الذات أولا بانخراطها في مشاريع البناء المجتمعي والفكري والسياسي والأخلاقي ثم الوعي بوجود "خلل" يغدو في ذهن المنتج "موضوعا ديناميا ذهنيا لمؤول دينامي للعالم المدرَك (وهو ناتج الدليل التفكيري) ومدارا سياقيا للنص" (2)، فنحن أمام ذات مبدعة يتأسس اشتغالها على "القيمة"، وسنجد لاحقا أن اشتغالها هذا يتمظهر من خلال ثلاث مستويات:
-المستوى التركيبي: عامل-موضوع (السلبية والهامش)
- المستوى الخطابي: ممثل (البطالة – الخيانة- الفراغ...)
- المستوى الدلالي: مقوم (إثارة أسئلة الذات والتنمية الذاتية)
ذاك أن موضوعات القصص داخل المجموعة هي مساحة لبناء رؤى من خلال تجليات عديدة للسلبية، هذه الرؤى التي في مجموعها ليست سوى فضاء لاستثمار القيم "فضاء للإرساء لاجتماع عدد من التحديدات-القيم"(3) فيما أن تجلياتها (سلبية الفعل، سلبية الجنس، سلبية التصور عن الذات.. وغيرها داخل المجموعة) هي المادة الأولية التي يبني المؤلف عليها وبها مساراته السردية وفق برنامج سردي يربط الذوات بالموضوع في جدل القبول والتحويل، والاتصال والانفصال.. ومن ثمة اتخاذ مسافة تجسد وتستبطن "القيمة" التي يقرها ضمنا وعلنا المؤلف/المرسل ويسعى بها للإقناع وبالتالي "التحقق"، هذا التحقق القيمي –الذي لن يكون إلا عبر "تأهيل" الذوات، سواء داخل النص أو خارجه- هو سؤال وعي التغيير الذي افترضنا تأسيسه لـ "الضفة الأخرى"، وهو سؤال مفاده انتقال "الذات" أو تحولها انطلاقا من الوعي بالآخر وبالتالي بالأنا من جهة، والوعي بالانتماء من جهة ثانية كما في نص: "هنا وهناك" (ص29) بجلاء كبير.

المدارات السردية
"الضفة الأخرى" بشكل عام هي خطاطة رؤى الكاتب لتحويل القيمة السالبة التي تأسست على سلّم الإيجابي بسبب تراكم ما، أو بمنطق تحول القيم المجتمعية. وتمثل قصص المجموعة هنا إمكانات تمثيلية لنفس الحكاية: (حكاية السلبي والهامش، حكاية التهويم والخوف والخيانة والنقصان واللافعل والفراغ...) على مدى سبعة عشر عنوان رئيسي بضمائر الحضور والغياب معا، وهو تنوع "الراوي" بين جواني الحكي homodiégétique وبراني الحكي hétérodiégétique ليس على مستوى النصوص بعضها ببعض، وإنما أيضا على مستوى النص الواحد أيضا، ذلك أن التأرجح بين ضميرين لا يؤشر على صوتين أو كائنين متمايزين، وإنما هو تقنية تسمح على الأقل بتنويع زوايا التقاط المشاهد والأحداث والمواقف:
"سرَت ارتعاشة بدني، وقلت: آه لو كنت أستطيع أن أضمك إلى صدري وأنا أودع الدنيا(...) حضر رجال الإسعاف، حملوني فوق النقالة (...) أقفلوا باب المستودع، ...." ص 33.
إن تداخل التنويع في الضمائر مع التنويع في الزمن والخطاب السردي وأيضا مع أشكال ومستويات بناء الشخصية يمنح إيقاعا متراكبا لمسارات السرد عبر النصوص حيث الزمن الماضي والمضارع مهيمنان في تقابل مع المتكلم والغائب، فيما أن الأمكنة بتم إهمال تدقيقها في الغالب إلا ما يأتي ضرورة لخلق "الحيز السردي" اللازم.
عالم الضفة الأخرى هو عالم من التصور الخاطئ للذات ولمقوماتها ولأسسها البانية لتطورها وبنائها من لأجل قوة ما، وهي في نهاية المطاف اعتقاد بـ "فحولة معدومة"(4) لا ينتج عنها إلا "عار" أكبر يقبله مجتمع القصص ويتعايش معه إنْ بخنوع أو بشكل مضمر على صعيد الجنسين معا، والأعمار المختلفة. وهي حالة تقودنا نحو قراءة رمزية المجموعة القصصية على إضاءات واضحة يبثها الكاتب منذ العناوين المختار- وهي عناوين مقتضبة أغلبها "عناوين ناجزة" تثير دلالات أساسية في النص (حسرة، مزقنا العار، حادثة...)، وأحيانا عناوين مكوِّنة تتجاوز عتبة النص ودور الاستهلال إلى المشاركة في توليد دلالات السرد والتفاعل مع مكوناته (أوراق ميت، أبجد هوز)- إذ يمكن ملاحظة هيمنة القطب السالب في عناوين المجموعة (موت، حسرة، مزقنا العار...) مقابل ثلاث عناوين فقط تحيل على الإيجابي (وفاء، فحولة، فليحيا الحب.) أي أقل حتى من نسبة العناوين المحايدة (وعددها 5)، ويوازي قلة قطب الإيجاب في التيمات قلة مماثلة على مستوى الشخصيات، حيث إن المواقف تكون إما لخلق أزمة ونقص، وإما لتكريس وضع غير حسن، فيما نلمس بالمقابل ما يشبه استضمارا لمواقف تؤسسها فلسفة الفعل، وبالتحديد في شخوص شابة تمثل الجيل اللاحق: (التلاميذ في "سكرة"، والابن في "هنا وهناك")وهو تأسيس يبشر بوعي رافض يؤسسه التراكم المضاد الممثل في المستقبل، أو تؤسسه السلطة والقوة كما في موقف رجل الأمن في نص "واو".
هكذا فتداخل البنيات الدلالية في المجموعة (الدلالة الاجتماعية، الأخلاقية، الإدارية، التربوية...) تنتظم في الأساس وفق ثنائية كبرى هي (الفعل/اللافعل) ويربط طرفيها جدل من علاقات يؤسسها الإحباط والقبول حينا، ثم الرفض والتنقيص حينا، لكن يتضح أن توزيع اللافعل يهيمن على مستوى المواقف من جهة، وعلى مستوى الشخصيات ثم على مستوى الضمائر من جهة أخرى؛ يعني أن حركة اللافعل هي حركة "ثابتة" وبالتالي منتشرة، على عكس "الفعل" سواء على مستوى توزيع وتنويع الضمائر والشخوص، أو على المستوى الكمي الإحصائي.



إن الوصف العام لمجتمع القصص ومواقف الشخوص يكشف مستوى انفعال ذا حساسية التقاط كبيرة للواقع، فالأب في "هنا وهناك" يستشعر تغير الحال نحو السلبية، والتلاميذ والإناث وساردو النصوص تمنح مواقفهم إعلانا (مباشرا في الغالب) بالرفض، وهو الموقف الذي يستلزم تحركا فعليا للتغيير –المعدوم في الشخوص والممثل في منتج النص- وبالتالي فنحن أمام ثنائية ليست إلا إحدى إظهارات الثنائية السالفة، هذه الثنائية الأخرى هي الكاتب/الشخصيات.
يمثل وعي الكاتب وأسئلته مدارا سياقيا عاما للنص، فيما تمثل الشخصيات إحدى صور المجتمع الفاقد للبوصلة، وفقدان البوصلة يستضمر إحساسا بالضياع أولا ثم حاجة لوعي أكبر يوجه ويقود وفي نفس الآن ينتمي.
ولنشر الآن أن مصطلح "الضفة الأخرى" يشير –في المغرب على الأقل إلى الغرب، وهو وجهة الهجرة، والبحث عن "الخلاص"، ويبدو أن مجتمع القصص في وضعه المرسوم حكائيا هو مجتمع بلغ من الضيق والسلبية والضياع ما يحتاج معه "لهجرة"، الهجرة نحو القطب المقابل، نحو الفعل والإيجاب بالضرورة، فيما تمثل أسئلة النص وتنديداته وتنكيته وصدمات خواتمه بوصلة معِينة على السير نحو الإيقاظ وتحديد الجهات الأصوب.
إن "الضفة الأخرى" كمقابل للتفجر وكمعادل دلالي للمفترض والممكن والمرغوب تمثل نقطة مركزية هي ناتج التحول وتجاوز الوضع الأدنى، ومن أجلها يلزم الرحيل وتلزم الهجرة، غير أنها هنا ليست هجرة سرية ولا علنية (نص هنا وهناك)، وإنما هي هجرة الفكر، وهجرة الفعل، إنها هجر نحو النفي، وبالتالي نحو إيقاظ أي نحو انطلاقة جديدة.



وعلى المستوى الرمزي فإن قراءة هذه الهجرة تقودني لاستحضار "الهجرة النبوية" كنص غائب داخل المجموعة، ذلك أن الهجرتين معا تمثلان "فعلا" مركزيا يقود للتحول وتغيير بنية المجتمع والفكر، وترسمان خطا جديدا لمستقبل جديد، فالهجرتان معبر نحو التجاوز، ونحو الانتقال الحضاري الذي تتأسس أسئلة المجموعة عليه وبه في بدء ونهاية المطاف.
ـــــــــــــــــــــــ
(1): البشير الأزمي "الضفة الأخرى"- مجموعة قصصية- منشورات تطاون أسمير. ط 1- 2007
(2): ع.اللطيف محفوظ "آليات إنتاج النص الروائي"- منشورات القلم المغربي ط1- 2006 (ص177)
(3): كريماس- عن: "نظام القيمة في السيميوطيقا السردية"- ع.المجيد نوسي- مجلة علامات [المغرب] ع 16 – 2001
(4): نص "حسرة" (ص11) و نص "فحولة (ص15)

حسام الدين نوالي

المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 20/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى