محمد برادة: سلطة الرواية و التخييل في الثقافة العربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محمد برادة: سلطة الرواية و التخييل في الثقافة العربية

مُساهمة من طرف Admin في السبت فبراير 16, 2008 2:37 am

سلطة الرواية والتخييل في الثقافة العربية


الورقة الأولى و الحوار من إنجاز الكاتبة و الفنانة التشكيلية زهرة زيراوي

مراسلة لملتقى الحكي من بباريس

عُقدت بباريس ندوة عن «سلطةُ التّخييل والرواية في الثقافة العربية» نظمها الناقد والروائي محمد برادة والأستاذ بمعهد اللغات الشرقية أبو بكر الشرايبي، والمشرف على ترجمة النصوص العربية إلى الفرنسية بدار آكتْ سود فاروق مردم بك. شارك في الندوة روائيون ونقاد من مختلف الأقطار العربية، نذكر من بينهم : بهاء طاهر، خيري الذهبي، يوسف أبو رية، فريال غزول، الميلودي شغموم، منتصر القفاش، يوسف فاضل، ميرال الطحاوي، صبري حافظ، عاليه ممدوح...
خلال الندوة، قُدمت 10 أوراق توزّعت على عشر موائد ومحاور : تناولت الرواية العربية والتقاليد البَطْركية سواء تجلّتْ في صورة الأب ذي السلطة المطلقة، أو في صورة الفرد المواجِه لهذه السلطة، أو من خلال تجليات علائق الجنس داخل مجتمعات محاطة بأكثر من مظهر للسلطة الَبطْركية. وخُصّصت مائدة للصورة الفنية التي استحضَرتْ بها الرواية العربية مظاهر البيروقراطية والاستبداد، وأيضاً كيف تتمرد الرواية على سلطتها من خلال ابتداع رواية مُضادة. وكان المحور الأخير عن الرواية العربية بين الماضوية وقِيم التغيير...

اغتنمنا فُرصة هذا الملتقى الهام للرواية العربية وتوجهنا للدكتور محمد برادة بالأسئلة التالية
:

إعـــــــــادة التأويل

سؤال أول :
هل هناك شعراء وروائيون هم أكثر قدرة على التّخييل من غيرهم ؟ وما معنى سلطة التخييل ؟

ـ أظن أن التخييل عنصر أساس في كل إبداع قديم أو حديث. إلاَّ أنه من الصعب أن نُعرّف التخييل بدقَّة أو أن نحدد مُكوّناته. بصفة عامّة، يمكن القول بأن التخييل يتجلى من خلال عناصر متباينة ويتوخى أن يُزعزع صلابة الواقع وحَتْميتَه، وكأنما يريد تَنْبِيهنا إلى أن ما نعيشه في الحياة هو قابل لأن يأخذ أكثر من شكل وأن ينتظم عبر علائق مختلفة. وهذه المسافة التي يخلقها التخييل بيننا وبين الواقع، تُحرك مخيّلتنا وتُشركنا في تصوُّرٍ محتمل آخر لما يقع في الحياة. ومن ثمَّ فإن سلطته هي ذات طابع رمزي أكثر مِنْ ما هي سلطة ملموسة. وجذور التخييل تعود إلى أقدم العصور، إلى الأساطير والقصص والخرافات والملاحم وكل ما يُؤَثث المخيال الجماعي للشعوب.
من جهة ثانية، يمكن أن نستشعر الفرق بين مبدع وآخر في مجال القدرة على التخييل، لأن ذلك يعود إلى الموقف الستراتيجي للمبدع : هل هو يتقيَّد بمحاكاة «الواقع» أم أنه يتَّجه إلى تحويره وتحريكه وإعادة تأْويله ؟ من هذه الزاوية، يمكن المقارنة بين تخييل وآخر بوصفه مكوِّناً للنّص ومؤثراً في مخاطبته للقارئ. ولا أظن أن هناك مجالاً يستعصي على التخييل سواء كان منطلق المبدع هو الكتابة عن الذات (التَّخييل الذاتي) أو نسج صورة للتاريخ، أو الاستظلال بالخيال العلمي...
إعــــــــــــادة التأثيث

سؤال ثان :
ماذا عن علائق التخييل بالمعيش والتاريخ والموروث ؟

ـ كما سبقت الإشارة، التخييل لا يوجد مستقلاً، ولا يمكن أن نحدده بسهولة لأنه يكون دائماً جزءً مندمجاً في النَّص ويَبْرُز من خَلَلِ تجليات تتباين، فتكون أحياناً متصلة بالشخوص وغرابتهم، وأحياناً بالفضاءات الفانتاستيكية أو بنوعية الحوار ولغته... لِنَقُل إن التخييل مرتبط أكثر بموهبة كل مبدع في تحويل المادة الخامّ إلى عالم فني له نكهتُه المميَّزة. من ثمّ، فإننا غالباً ما نُحلل التخييل ضمن الشكل التعبيري (الرواية، القصيدة، القصة...).
وقد ربطنا الندوة بسلطة التخييل والرواية في الثقافة العربية، لأن هذه الأخيرة تتوفّر، منذ القديم، على تجليات للتخييل في كتب السيرة والتواريخ والقصص والأخبار، وفي ألف ليلة وليلة، على رغم أن الثقافة العالمة كانت تُهمش النصوص غير الشعرية والتي تنبثق من ذاكرة الناس البسطاء. منذ بداية القرن العشرين، بدأت الرواية العربية مسيرتها، على ضوء تأثيرات المثاقفة وتبدُّلات البنيات المجتمعية (اتّساع المدن والحواضر)، فأصبحت سجِلاًّ لمجموعة من التحولات الممتزجة بتغيُّر الطبائع والسلوكات والقِيم. بعبارة ثانية، أخذ التخييل وقد امتطى صَهْوة الرواية، يعيد تأثيث المخيال الشعبي بمشاهد ولوحات وفضاءات مستمّدة من رحلة المجتمعات العربية على طريق التحديث والانخراط في الصراعات السياسية والاجتماعية ومعارك التحرر من الاستعمار ومآسي عواقب الاستبداد والحكم الفردي...
من هذا المنظور، نستطيع القول بأن التخييل الروائي توزّع على ثلاثة محاور : ملاحقة الواقع المستجدّ في تفاصيله ومنعرجاته، استعادة الحيوات عبر السيرة الذاتية والتخييل الذاتي (autofiction)، استحضار التاريخ من خلال روايات تُعيد تخيُّلَ مجريـات الأحداث والصراعات. لذلك يمكن القول بأن التخييل هو وسيلة للتفكير في الذات والواقع والتاريخ حسب منطق ليس هو منطق العقل أَو العلم، وإنما هو منطق الإحساس والبَصَر والذاكرة والتجربة المعيش.
لصـــــــــــوغ الأسئلة

سؤال ثالث :
تردّد في مداخلات الندوة أن الرواية جَرُؤَت على تناول الموضوعات المسكوت عنها والمحرَّمة : هل يتعلق الأمر بالشأن الديني أم السياسي أم الجنسي ؟

ـ إن استيحاء الموضوعات «المحرَّمة» ليس جديداً في حد ذاته، لأن كل الآداب القديمة تحفل بقصائد ونصوص تنتقد التزمُّت والتعصب والاستبداد والظلم وتعبر عن إيروسية مثيرة للجسد والمشاعر... لكن السياق الذي أنجزت فيه نصوص روائية عربية هذا الاختراق لمنطقة الطابوات، هو سياق مغايير، يتميَّز بشروط سياسية ومؤسساتية قاسية، وبرقابة خانقة. من ثمَّ، استطاعة الرواية العربية بِسُلطتها التخييلية وجاذبيتها السردية أن تتسلَّل إلى تلك الموضوعات «المحرَّمة» لتتخذ منها مادّة للمتعة وأيضاً لِصَوْغ الأسئلة وتحريض فكر القارئ على الانتقاد والرفض. وكل هذه الموضوعات يمكن أن نعثر عليها في الخطابات السياسية والدينية والجنسية، إلاَّ أن شكل الرواية وطاقتها التخييلية يُتيحان التعبير بطريقة لا تعتمد الوعظَ وإنما تمزج الهزل والسخرية بالجد، وتعيد تشخيص المواقف والصراعات عبر المخيلة واللغة الملائمة. كذلك، من الصعب القول بأن هناك رواية ذات طابع سياسي محض، أو ديني أو جنسي : الرواية مَجْمع لكل الموضوعات والثّيمات تتوخى أن تكون بِسَعَةِ الحياة ورحابتها، وتتجنَّب إصدار الأحكام القاطعة أو إدانة شخصية من الشخصيات. إنها شَكْل الحوار القائم على النسبية ومراعاة روح الديمقراطية، أين إخضاعُ جميع الأفكار والأطروحات والآراء للحوار، على قدم المساواة...
الشكل ليس غايـــــــــــــــة

سؤال رابع :
قيل في الندوة بأن النص الإبداعي العربي تخلّى عن إرثه السردي : كيف ذلك ؟

ـ أظن أن ذلك ورد خلال مناقشة موضوع تمثيل التاريخ فنياً في الرواية. وقد لاحظ أحد المتدخلين بأن تجربة الرواية العربية الحديثة لم تعرف كيف تستثمر موروثها السردي لتبتدع شكلاً عربياً مميّزاً... أنا شخصياً لا أميل إلى هذا الرأي، لأنني أعتبر الرواية شكلاً تعبيرياً تَنامَى وتَبلْور عبر قرون من الزمن، مستمداً عناصره من ثقافات مختلفة على رغم أن صعوده اقترن بصعود الطبقة البورجوازية في أوروبا. وبصمات ألف ليلة وليلة في نشوء الرواية الحديثة لا تُخطئها العين، لكن ليس من الضروري القول بأن علينا أن نبتدع شكلاً روائياً خاصّياً بنا. المهمّ هو ماذا نستطيع أن نفعل بهذا الشكل المطاوع، وهل نقدر على توظيفه بذكاء لاستيعاب أسئلتنا وحياتنا وفضاءاتنا ؛ فالشكل ليس غاية في حد ذاته، وإيجاد شكل روائي «عربي» لا يعني مطلقاً أن ذلك سيضمن الارتقاء بما نكتبه من روايات.
سؤال خامس :
ماذا عن اللغة الروائية العربية الآن وسيرورة التغيير ؟

ـ لم يكن المقصود باللغة الرواية في هذه الندوة، تحليل اللغة بوصفها قاموساً وتراكيب جُمَل، وإنما قصدنا إلى طرح ظاهرة اللغة الروائية في مجموعها داخل ما يكتب من أجناس تعبيرية أخرى، وكأن الرواية - طوال مائة سنة من عمرها - قد خلقتْ لغة خاصة بها داخل اللغة العربية ذات التكوينات والتفريعات العديدة. من هذه الزاوية، تصلح اللغة الروائية أن تكون مَرْصَداً لقياس بعض التغيّرات داخل المجتمعات العربية، على اعتبار أن كل تغيير ينطلق من «تحويل» اللغة وشَحنِها بدلالات جديدة مُستمدَّة من سياقات مُسْتَجَدَّة.
فعلاً، عندما نستعرض نماذج من الإنتاج الروائي العربي، نجد أن لغاتها متباينة : فهناك من يكتب بلغة تحرص على الفصاحة و «نقاء» المعجم، وهناك مَنْ يمزج عدّة مستويات، فصيحة ودارجة، وهناك مَنْ حاول أن يكتب السرد والحوار، أي مجموع النص، باللغة العامية مثلما فعل مصطفى مشرفة في روايته «قَنْطرة الذي كَفَر»...
لكننا عندما نتعدّى هذا المستوى العيْني، الظاهر، نجد أن اللغة الروائية، في مجموعها، حفرتْ أخاديد ومسالك للتعبير عن مواقف وقَيَم تحمل أصداء بعض التغيّرات التي طرأت على اللغة ومَرْجعياتها الفكرية والإيديولوجية... وهذه مسألة تحتاج إلى دراسة واسعة يُسهم فيها مجموعة من الباحثين. لكننا طرحنا في الندوة ملاحظات قد تساعد على استجلاء مكنونات اللغة الروائية بما هي وسيلة أساسٌ في تشييد لغة داخل اللغة، ولَمْلَمَة عناصر مُتَخَيَّلٍ هو دائماً قَيْدَ التشكّيل. فمثلاً، إذا قسَّمنا الانتاج الروائي العربي إلى اتجاهيْن قنييْن متباينيْن من حيث ستراتيجية الكتابة، يمكن أن نُسميهما : اتجاه واقعي، وآخر سير ذاتي- تخييلي ؛ وداخل كل واحد منهما هناك فروق وتقاطعات وتصنيفات من حيث اللغة الروائية. لكن هذه التصنيفات تساعدنا على استجلاء السمات البارزة في كل لغة روائية : لغة الماضي والوجدان، لغة الرفض والتمرد، اللغة الآمرة، اللغة الصفر للكتابة، لغة التناقضات... (في الاتجاه الواقعي)، ثم : لغة تمجيد الإرادة الفردية، لغة الحميمية والإيروس، لغة السخرية والانتقاد، لغة الذات المتعدّدة والذاكرة الحالمة... (في الاتجاه السير ذاتي-التَّخييلي...
لكن كل واحدة من تلك اللغات الروائية لا يمكن أن تُدرك أبعادها إلاَّ إذا حُلِّلتْ وقُرئت بالمقارنة مع اللغات الأخرى السائدة والحاملة لدلالات ماضوية أو محافظة... هذا لا يعني أن تغيير اللغة داخل مجتمع ما، هو عملية آلية تستجيب لإرادة كاتب أو مجموعة كُتاب، وإنما هي خاضعة لسيرورات معقدة تلخص الصراعات الاجتماعية والتصنيفات الطبقية والمواجهات الإيديولوجية... والرواية تؤرخ، عبر شكلها الفني، للذاكرة اللغوية ولصعود قيمٍ وانْحدارِ أخرى.
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 32
تاريخ التسجيل : 11/02/2008
الموقع : ملتقى الحكي

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://hakyi.bbactif.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى