آلان روب غرييه بين فن "الرواية الجديدة" وفن "السينما الجديدة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

آلان روب غرييه بين فن "الرواية الجديدة" وفن "السينما الجديدة"

مُساهمة من طرف خبر في الأربعاء فبراير 20, 2008 3:45 am

آلان روب غرييه بين فن "الرواية الجديدة" وفن "السينما الجديدة"

ممدوح السكاف


يعد فن الرواية من أعظم الفنون الأدبية جاذبية وتأثيراً في العالم الحديث، ويُقابل من فئات القراء على اختلاف نوعياتهم وثقافاتهم ومستوياتهم الاجتماعية بترحاب وشغف لأنه يعبر عن صيرورة الحياة الإنسانية، بحقائقها العميقة الممتدة في مسار الزمن وظواهرها الخارجية المتمثلة للعيان في تطوراتها وانعطافاتها طبقاً لتصرفات أبطالها، كما يشخص الفعل البشري تشخيصاً واقعياً حياً يشبع رغبة القارئ في التخيل والتصور، ويعكس ميوله وأشواقه في الكشف والتوقع ويغني عالمه الداخلي بفيض من الهواجس والتساؤلات ويفضي به إلى أن يحس بأنه أحد مكونات العمل الروائي بمتابعته له واندماجه فيه وانحيازه إلى أحد أطراف الصراع داخله من خلال مواقفه الفكرية أو الفلسفية أو الحياتية مما يجري من أحداث أو وقائع أو حوار في المشهد التصويري أمامه والمادة الروائية برمتها.‏

وتنزع الرواية الغربية الحديثة في بعض نموذجاتها منذ النصف الثاني للقرن العشرين منزعاً تجريبياً يلعب لعبة الشكل والمضمون ومغامراتهما على أوسع مدى، ويكسر القيود الكلاسيكية الرصينة التي كبلت هذا الفن العريق عقوداً طويلة من السنين، فظل معزولاً عن أسباب التطور كما تطورت بقية فنون الأدب، حتى جاء عدد من الكتاب الغربيين فأرسى حديثاً ما يسمى بأسس "الرواية المستهترة" و"الرواية الغنائية" و"الرواية المجازية" و"الرواية الصوفية"، و"الرواية العلمية" وأخيراً "الرواية الجديدة". فانطلق هذا الفن من عقاله المؤطر وأخذ يواكب الثورات المستحدثة في مختلف الأجناس الأدبية ومجمل ميادين الحياة.‏

ويشير النقاد إلى أن (البحث عن الزمن الضائع) لكاتبها (مارسيل بروست) تعد اليوم من أمهات الرواية الحديثة في أوربا لأنها ليست (رواية) بالمعنى الأكاديمي للاصطلاح الكلاسيكي لهذه الكلمة، وهي كذلك لا تدخل في أبجدية الاعترافات والمذكرات لأن راويها يسرد أحداثاً موضوعية تاريخية تكاد تكون معيشة وهي أيضاً لا تريد أن تكون معرضاً لكشف أسرار حياة مؤلفها، عبر قصّة لسيرته الشخصية ولذكرياته وفكره وذوقه، بل كانت معرضاً للعالم الخارجي الذي عاشه وعرفه بعمق ورسمه بقلم موغل في التحليل والتركيب. وهي ليست رواية التصوير الصادق لمجتمع من المجتمعات الباريسية قبيل الحرب العالمية الأولى وخلالها، بل على العكس هي أول رواية لم تصور (الواقع) بل صورت ضرباً من الحلم الواعي الدقيق في توصيفه، وانطوت على فترات من الزمن ينزلق بعضها في بعض ليختلط ويمتزج وينصهر في عالم الذكريات، لتقدم الرواية للقارئ نظرة جديدة للكون والوجود وتصوراً جديداً للحياة والإنسان بعد إتمام قراءتها.‏

ولقد جازف (مارسيل بروست) بحياته في سبيل تحرير هذه الرواية وأنفق على نشرها من أمواله الخاصة بعد أن رفضت دار (غاليمار) طبعها لما فيها من خروج على المألوف الروائي السائد في حينه، وكان (اندريه جيد) يومئذٍ على رأس إدارتها وهو من هو كاتباً روائياً كلاسيكياً. ويبدو أن ذلك الحدس الذي هجس بأن الرواية ستكون فناً (عالمياً) يهدف إلى أن يسيطر على الفنون الأدبية ويحسر ظلها باستعارته ميزاتها الأساسية وأدواتها التعبيرية في طريقه الآن إلى التصديق تأسيساً على القفزات الهائلة التي تطالعنا بها الرواية بشكل مستمر على خريطة الأدب العالمي بلغاته الحيَّة المنتشرة.‏

و"آلان روب غرييه" رائد من رواد مدرسة الرواية الجديدة، وهو كاتب فرنسي ولد سنة 1922، ومن أشهر رواياته (العرّاف) 1955 و"في التيه" 1959 وعدد كبير من القصص قد ترجمت أعماله إلى ثلاثين لغة، لكن لم ينقل منها إلى العربية إلا القليل المحدود. وقد درس (غرييه) الهندسة الزراعية ونشر حوالي عشر روايات كان أولها (الممحاة) 1953، أما الحياة الفنية فقد دخلها في سن الأربعين بعد أن عمل فيلماً من تأليفه وإعداده هو "قطار أوربا السريع" وقد سعى فيه إلى تحقيق قوانين السينما (الصادقة) الواقعية حرفياً، والتسجيلية فوتوغرافياً: معقولية الأحداث ومنطقيتها كما تجري في الحياة اليومية، والقدرة على إقناع المشاهدين الذين يريدون رؤية شخصية ليست خيالية بأنهم يرون شريطاً حقيقياً لا سينمائياً، وقد لجأ غرييه في مجال الفن السينمائي إلى فكرة السيناريو في السيناريو وهي الفكرة نفسها التي استخدمها /بيراندللو/ في مسرحيته (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) أي فكرة المسرح في المسرح. وتلعب الكاميرا عند غرييه الدور الرئيسي في التعبير عن التخيل الواقعي فهي دائماً حاضرة في أعين الممثلين، ماثلة في ذهن المتفرجين تسجل كل شيء وتنقل كل شيء حتى أن الجمهور ينسى أنه أمام عرض فيلم هذا وقد ساهم غرييه في ميدان الفن السابع بصنع ثمانية أفلام كان أشهرها (السنة الماضية في مارينباد) الذي أخرجه رينه. كما حصل كاتبنا الروائي عام 1963 على جائزة لويس دولوك الأدبية عن روايته "الخالدة" وشغل منصب أستاذ في جامعة نيويورك ومدير مركز الدراسات السوسيولوجية للأدب في جامعة بروكسل.‏

و"الرواية الجديدة" عنوان لاتجاه جديد في الرواية ظهر في فرنسا في أوائل الخمسينات من القرن المنصرم. يقصد به الثورة على أسلوب الرواية الكلاسيكية التي تهتم بالتحليل النفسي لشخصياتها وبالتعليق الفلسفي المطول على مواقفها، وتتميز هذه النزعة بمحاولة تسجيل بعض المعطيات الحسية مثل وصف جدار،وصفاً بصرياً مدققاً أو وصف رائحة شواء البصل، أو مقتطفات من الأحاديث المألوفة بين الناس من غير أي توجيه أو تعليق من قبل المؤلف وتاركة للقارئ حرية تكوين انطباعه الشخصي عما يقرؤه.‏

وقد ظهر هذا المصطلح أول ما ظهر كعنوان في سلسلة جديدة من الروايات في دار نشر فرنسية اسمها (مينوي) وكانت تضم روايات جديدة لميشيل بوتور والان روب غرييه وناتالي ساروت. والفضل في ظهور هذا الاتجاه الروائي الجديد يعود إلى رئيس دار النشر هذه (جيروم لنينلا وان) الذي كان ذا توجه تقدمي ملتزم ينحو منحى الحداثة فقام بطبع العديد من الأعمال الروائية المتفردة والغريبة التي كانت ترد إليه من قبل أصحابها، وهكذا ظهر تيار الرواية الحديثة إلى الوجود بعد مخاض عسير وعدها الناقد المعروف "لوسيان غولدمان" في حينه مدرسة روائية جديدة تخرج على المألوف الروائي وتصنع لها أدواتها ونظمها وقوالبها من خلال تجاربها المتوالدة النوعية وحساسيتها المنبثقة من إيقاعات العصر الحديث بأبعاده ومنجزاته الحضارية، وتراكماته النفسية.‏

أما غرييه أحد زعماء هذا الاتجاه فقد اشتهر في قصصه ورواياته بوصف الشيء الخارجي وصفاً مركزاً حيوياً دقيقاً ذكياً ماثلاً يبرز حضوره المستقل تماماً عن حضور الإنسان ويتفرد بكونيته الخاصة به، ولعل مرد هذا الإلحاح على الوصف في جميع أعماله، عقليته الهندسية التصورية اللونية للأشياء والموجودات في الطبيعة وتفكيره العلمي المطلق المملوء بالتحدي ومواجهة الواقع مواجهة جديدة وتحليل عناصره ومكوناته تحليلاً جديداً يقوم على الوعي به من الداخل و"أنسنته" أحياناً، ونحن هنا نورد مقطعاً من روايته الموسومة بـ(الغيرة) لندلل على هذه الخاصية الوصفية التي اتسمت بها أعماله:‏

"يقسم الآن العمود –العمود الذي يحمل زاوية السقف الجنوبية والغربية-الزاوية المطابقة للسطح إلى قسمين متساويين، هذه الشرفة هي رواق عريض مغطى يحيط بالمنزل فوق جوانبه الثلاثة، ولما كان عرضها هو نفسه في الجزء المنصِِّف وفي الفروع الجانبية، فإن خط الظل الذي يعكس العمود، يصل تماماً إلى زاوية المنزل ولكنه يتوقف هناك لأن الشمس التي ما تزال في أعلى السماء لا تبلغ إلا بلاطات الشرفة وحدها... الخ".‏

وتتميز الرواية الجديدة التي مثلها ريادة وكتابة ونقداً ودفاعاً "غرييه" بعدة ميزات عن الرواية العادية، أولها أنه ليس هناك من وجود لحقيقة واحدة هي حقيقة القصة المحكمة البنيان، بل أن هناك لعب الإمكانيات غير المحدود أو المنظار السحري في مجال الرؤية والتراجعات الورائية (الخطف خلفاً-فلاش باك) في نهر الزمن، وثانيهما أن الرواية الجديدة تستخدم كل الوسائل لكي تهرب الحقيقة من ذلك البناء المفتعل التسلسل الذي كانت تستخدمه في عرض الأحداث بالحبكة التقليدية وتمثله الرواية الواقعية وفن الراوي. إنها تسعى لـ"تحطيم" الآلية الرتيبة للتصوير الاجتماعي والسيكولوجي، وتعتمد على فن "التواقت" فتمزج المغامرات بالشعور ويتقاطع فيها الواقع باللا واقع. وثالثها أن الرواية الجديدة كالشعر الذي جاء بعد (المدرسة البودليرية) يعني باكتشاف "الواقع الشعري" قبل أن تشوهه وتمسخه الرؤية النمطية التي تواضع الناس فيما بينهم على النظر بها إلى الأشياء أنها ترفض هذا العالم المعاد بناؤه، عالم الوصَّاف "الكلاسيكي" والراوي "الاستاتيكي" في سبيل عالم وحشي بكر لم يشرح فيه كل شيء ولم يفسر كما يشرح ويفسر في المدرسة الابتدائية.‏

ومهما يكن من أمر فإن الرواية الجديدة تعبر بكل بساطة كما يقول "ر.م.اليريس" عن التعارض الذي ولد بين المواضعة الروائية والرواية الساخرة أي بين الرواية الشعرية والرواية المخالفة للسنة الروائية، إنها تسعى بحس سليم سهل جداً إلى تحرير الخلق الروائي في الإفلات الفني من الواقعية البرجوازية في بعض أشكاله، وهكذا فإن القطيعة بين الأشكال الحديثة والأشكال التقليدية في الرواية تقوى يوماً بعد يوم، بمعنى أن ماكان أساسياً في الرواية كالعقدة والأشخاص ووصف المجتمع يتحول أكثر فأكثر إلى شيء آخر تعبر عنه "ناتالي ساروت" قائلة: "إن القاص لم يعد مطلوباً منه أن يثير فضولنا بعقدة روائية أخاذة أو أن ينسب أشخاصاً أحياء يشابهون الحقيقة أو أن يصف وصفاً لامعاً ودقيقاً وسطاً مجتمعياً معيناً أو أن يحلل بلغة كلاسيكية موقف القلب البشري تحليلاً جيداً..".‏

على أن آلان روب يعد من أهم المنظرين للرواية الجديدة وخاصة في كتابه (الطبيعة الإنسانية والمأساة) الذي يطالب فيه بنوع من الكتابة تصف، وتتناول الموصوف وصولاً إلى "الصورة الخلاقة" تلك التي تفجر المفاهيم السائدة وتحرر القارئ والكاتب في الوقت نفسه من التصور المكرور والمشوه للعالم.‏

وهذا النوع من الكتابة يلزم الأديب بـ"الابتعاد عن التصاقه الذاتي بالنص في سبيل كتابة متأملة لذاتها "فهذه الكتابة الصعبة هي التي تؤدي بشكل جدلي إلى موضوعية أكثر".‏

ويدافع غرييه عن الرواية الجديدة بجماع منجزاتها ونتاجاتها ضد من ينفي عنها تسمية الرواية وضد من يجردها من صفة الجدة من النقاد المتشددين المتعصبين للأصول والقواعد الروائية المتواضع عليها بعد أن مضى على ولادة آثارها ما يقرب من نصف قرن آنذاك قائلاً:‏

-"إن أعمال ناتالي ساروت الأخيرة، وكلود سيمون وكذلك روايتي (من أجل ثورة في نيويورك) قد بيع من كل منها عشرات الآلاف من النسخ منذ صدورها القريب، بل إن روايات ساروت الأولى مثل (مناخات) وكتابي "الغيرة" الصادر عام 1957 مثلاً ما يزال يعاد طبعه ويباع في فرنسا والخارج.."‏

وأخيراً.. قد يحق لنا أن نسأل مثل هذا السؤال: هل هناك أوجه تشابه بين الرواية الفرنسية الجديدة والموجة الجديدة في السينما؟...‏

بشكل عام التشابه موجود وهو يكمن في مسالة "التجريب" في كلتيهما، وكذلك فإن الاتجاهين في الأدب والسينما هما تعبير عن (العصر) أو محاولة مكللة بالابتكار لتفسير الحياة المتشابكة المعقدة للإنسان في زمن حضاري متسارع الإيقاع إلى زمن مقونن يبدو أن كل شيء فيه يخطف خطفاً وينجز على طريقة الحلاقة بالكهرباء. لم تعد هناك حاجة للإفاضة في الوصف المملّ كما في الكلاسيكيات الروائية الأوربية والسوفييتية (الدون الهادئ مثلاً لشولوخوف) أو الانسياق مع التفاصيل (كما في سينما الأربعينات العالمية مثلاً) التي غالباً ما تكون دخيلة وغير ضرورية للعمل الأدبي الروائي أو الفيلم.‏

في الرواية الجديدة وفي أفلام الموجة الجديدة كل كلمة وكل نقطة، كل لقطة وكل زاوية تضيف جديداً وتكمل البناء، فالإنسان بحاجة شديدة للفهم تفوق حاجته للاستمتاع وهو أيضاً "بحاجة لأن يجد نفسه بالحجم الطبيعي لا لأن يتطلع من جديد إلى البطل المثالي أو لأن يُحكم بمواصفات البطل".‏

مراجع هذه المطالعة:‏
1-معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب-تأليف: مجدي وهبة-كامل المهندس.‏
2-(نحو رواية جديدة): آلان روب غرييه- ترجمة: مصطفى إبراهيم إبراهيم.‏
3-(الأدب التجريبي): عز الدين المدني.‏
4-جريدة البعث-العدد رقم (6394) –حول الرواية الحديثة-ترجمة وإعداد: مية هاشم.‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة الاسبوع الادبي العدد 1043 تاريخ 17/2/2007

خبر

المساهمات : 5
تاريخ التسجيل : 19/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى