إيربيرتو ساليس (البرتغال)/ثـــــأر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

إيربيرتو ساليس (البرتغال)/ثـــــأر

مُساهمة من طرف عبد الحميد الغرباوي في السبت فبراير 23, 2008 11:23 am

الثــــأر

إيربيرتو ساليس
* (البرتغال)
قام بترجمتها عن الفرنسية: عبد الحميد الغرباوي

بعد مراسم الدفن، جمعت المرأة أبناءها الخمسة حولها، كما لو أنها تحاول و إياهم عمل المستحيل لإعادة استحضار زوجها جواوو فلورو الذي أغتيل أول أمس.
بيد أن هذه المواساة الحزينة لم تقو سوى يقينها بأنها أصبحت و بمعية أبنائها الخمسة بلا أب. و أجهشت باكية.
و من الخارج أتى نداء:
ـ هل من أحد هنا؟..
باكية ردت:
ـ من هناك؟
ـ شخص يريد لكم الخير.
مسحت عينيها بأسفل التنورة التي تنزل إلى ما تحت الركبتين، و ذهبت لتعرف من يكون ذاك الشخص. رجل ذو قامة فارعة، و لحية بيضاء، يقف قرب فجوة أحدثها الباب الذي لم يكن مغلقا.
كان ذاك الشخص هو الكولونيل أورينسيو. جاء شخصيا ليقدم لها دعم العدالة، و كذلك ليعلن لها أنه لن يدخر جهدا داخل الكفر، واعدا إياها أن ينفذ مهمته: الذي يقتل يجب أن يموت.
لا، المرأة لا تريد انتقاما. يكفي ما سال من دماء. لقد فوضت أمرها لله.
ـ لكن، باسم الرب أتيت إلى هنا، قال الرجل. المجرم في الأسر. و عليه الآن أن يؤدي من حياته ثمن قتله المرحوم جواوو فلورو، صاحب الروح الطاهرة، و الذي مات بريئا.
ـ لست سوى أرملة بائسة، أنّت المرأة. لدي خمسة أطفال هم في حاجة إلى رعاية .
أعرف كولونيل أورينسيو مدى ما لديك من نفوذ و قوة. لكن و أرجوك ألا تعتبر طلبي إساءة إليك: ليس استعمال هذا النفوذ هو الذي سيساعد أطفالي.ليس الثأر هو الذي سيمكنني من إعالتهم.
ـ ليس هناك علاقة بين الاثنين، قال الكولونيل. أطفال الراحل جواوو فلورو لن يموتوا جوعا، بفضل الرب، على الأقل ما دمت على قيد الحياة. لكن القرار اتخذ: سيُثأر لجواوو فلورو، لأن ذلك هو الذي يجب أن يحدث.عندي سلفا الشخص الذي سيقوم بهذه المهمة.
و رفع يده مودعا:
ليرعاك الرب، سيدتي إيرنيستينا !
ثم فرقع أصابعه مثيرا انتباه كلب ضخم أشهب تبعه حالا وفي صمت، ابتعد على الطريق الذي يحاذي الحاجز و توارى خلف أجمة أشجار ذات أغصان مشذبة.
كان جواوو فلورو بريئا. لم تكن له علاقة بسرقة الأبقار. يا للرجل التعس ! أي رغبة تلك التي دفعته ذلك اليوم ليذهب إلى المدينة.
فكرة واحدة كانت تشغل بورسينو، مالك الأبقار، و يدافع عنها ألا و هي أن الحق إلى جانبه: كان يريد أن ترد إليه بهيمته،هذا كل ما في الأمر، كانت بقرة جيدة، و كانت تحمل علامة.
و حتى لو لم تكن كذلك، فإنها كانت تعتبر واحدة من قطيعه، هذا كل شيء: لكل واحد ما كسب.
انطلق الجدال في السوق. ارتفعت درجة حرارة بورسينو ، فدفع جواوو فلورو، ثم و قد فقد كل سيطرة على نفسه، و مدفوعا برغبة في سفك الدماء و القتل، انتهى به المطاف إلى أن يطعنه بخنجره في بطنه لمرات ثلاث، من تحت إلى فوق و بكل ما أوتي من قوة.
سقط جواوو فلورو على الأرض. لكنه تلقى طعنة رابعة، و هذه كانت في القلب، لتصفيه تصفية نهائية.
" إنسان جبان و دنيء" قال الكولونيل أورينسيو في داخله، بينما هو يسير، مسترجعا ما نقله إليه شاهدان كانا حاضرين لحظة الحادث: القروي بيدرو بولينو و ابنه، شخصان يُشهد لهما بالاستقامة، و هما محل ثقة ، و يستحيل أن يكذبا. و هما اللذان حضرا وقائع الحادث كلها، و كان أن ثارت ثائرتهم.
و بورسينو؟ هل بقي هناك، ذاك النذل؟ هل فر هاربا؟
فر إلى مركز البوليس، و هناك سلم نفسه للعدالة. لم يكن له خيار ثان. السجن كان المكان الوحيد الذي يضمن الأمان لحياته ، ذلك لأنه يعرف الآن، و الرب وحده يعرف كيف نسي في سورة غضبه: أن جواوو فلورو يتمتع بحماية الكولونيل أورينسيو.
عاد الكولونيل أورينسيو إلى بيته و استدعى الرجل الذي اختاره للمهمة:
ـ حاول العثور على وسيلة ليُقبض عليك. و حين تصير في السجن، وفي اللحظة المناسبة، تخلص من بورسينو، لكن افعل بسرعة. لقد قتل جواوو فلورو دون سبب ، و عليه أن يؤدي ثمن ما تسبب فيه من أدى. الذي يقتل يجب أن يموت. بعد ذلك سأعمل على إخراجك من السجن. أم أن لديك شك في ما لدي من نفوذ.
بيزيكا، هكذا يلقب الرجل المكلف بالمهمة، ملون ، ذو أنف شامخ، لم يكن لديه شك في ذلك. من يكن تحت حماية الكولونيل أورينسيو لا يظل في السجن و لو بسبب قتل. يكفي أن يمثل أمام المحكمة، ثم يطلق سراحه بعد ذلك. كان الكولونيل أورينسيو ذا نفوذ كبير، و حين يقدم وعدا، فلا بد أن يفي به .
ـ عندما تصبح حرا، سأسلمك النصف الآخر، تابع الكولونيل. و الآن يمكنك أن تنصرف. اذهب، و اعمل على أن تجد وسيلة ليُقبض عليك.
طبعا، عليه أن يجد طريقة ليُقبض عليه، لأنه إذا لم يودع السجن، فلن يتمكن من الدخول، و إذا لم يتمكن من الدخول، فلن يتمكن من الاقتراب من بورسينو و القضاء عليه.
اختلق فوضى في ملهى للقمار. لكن و لا أحد استدعى البوليس للقبض عليه. فقط تصايحوا:
ـ أخرجوه من هنا !
و بعدها مباشرة، أخذوا بيزيكا من رقبته و رموا به إلى الخارج، مغلقين خلفه الباب. خبط على الباب، مهددا بتحطيمه. و في النهاية توقف عن الاستفزاز. أولئك الذين كانوا يلعبون في الداخل لم يحركوا ساكنا.
الوحيد الذي تحرك، كان هو بيزيكا، الذي توجه إلى بار. طلب قنينة "كشاسا"، معلنا أنه لن يؤدي ثمنها، مصمما على أن يصل إلى هدفه: إحداث الفوضى، و دخول السجن. لكنهم أحضروا له الشراب، لأن رجلا انبثق من حيث لا يدري ، قائلا بهدوء، و بنبرة ودية:
حسنا، أنا الذي أؤدي الثمن.
و بالإضافة إلى القنينة الأولى، قنينة أخرى، و اثنتين أخريين، الأخيرة سعتها لترا بالتمام و الكمال. و في خضم " الكشاسا"، لم تحدث المشاحنة التي كان على بيزيكا أن يحدثها ، تحولت إلى صداقة. حتى أن جنديا من الكتيبة كان يتواجد في عين المكان انظم إليهما، و شاركهما الشراب.
أغلق البار أبوابه، و العديد من السكارى توزعوا عبر الدروب. و في أول ركن من الزقاق، و بينما كان بيزيكا يتلفظ بكلمات نابية، تذكر فجأة أمر الكولونيل أورينسيو.
"حاول أن تجد وسيلة للقبض عليك".
بداية، و لحظة التذكر، خيل إليه أنه يسمع صوتا قادما من بعيد، لكن مباشرة بعد ذلك، خيل إليه أن هناك من يصرخ قرب أذنه.
لم يضيع وقتا.
لمح عاهرة على الجانب الآخر من الزقاق، أسفل عامود نور. اقترب منها،كما لو أنه يريد منها شيئا آخر، و طعنها بسكين طعنتين ـ الواحدة تلو الأخرى. في هذه المرة، كان يجب القبض عليه.
أطلقت الفتاة صرخة مرعبة و سقطت مترنحة على الرصيف. كان أشخاص قد تجمعوا، أقبل جنديان و قادا بيزيكا إلى السجن.
صرح ، أثناء الاستنطاق:
أردت فقط أن أخدش ذراعها بسكيني. لكنها تحركت خطأ فأصابها النصل إصابة بليغة حد الإدماء.
ـ تحركت خطأ، هه؟ قال وكيل الأمن. حسنا، لتعلم أنك قتلت الفتاة. إنها الجريمة الأكثر دناءة التي لم نشهد مثلها أبدا هنا.
و وضع السكين في الدرج كي يقدمه يوم المحاكمة.
أودع بيزيكا السجن، أخيرا سيجد بورسينو. أسبوعان بعد ذلك، ، وذات ليلة، و بينما كان بورسينو يغط في نوم هادئ، جذب منه بيزيكا حزامه و طوق به عنقه ، ثم شنقه. أطلق بورسينو أنة مختنقة، لكنها كانت من القوة ما جعل بقية السجناء يستيقظون. كانوا أربعة و، غضبا مما رأوه، دفعوا بيزيكا إلى ركن الجدار و بواسطة ملاءة ، شنقوه بدوره.
في الصباح الباكر، عثر حارس السجن على الميتين.
ولا تزال التحريات جارية.
الكولونيل أورانسيو، عندما علم بما حدث، قال للذي حمل له الخبر:
ـ لقد نال النهاية التي يستحقها.
ـ من؟ سأل الرجل. بورسينو أم بيزيكا؟
رفع الكولونيل عينيه إلى السماء، و أجاب بهدوء، بعد أن رسم بأصابعه في الهواء إشارة صليبه:
ـ الاثنان. كل واحد منهما يشبه الآخر.

ــــــــــــــــــــــــــ
* من مواليد باهيا عام 1917.صحفي ، ناشر، روائي و قصصي. تحصّل على الكثير من الجوائز الأدبية.عضو الأكاديمية البرازيلية للآداب. من بين أعماله نذكر: حكايات عادية (1966)، و روايته " أوجه الزمن" صدرت بالفرنسية سنة 1991.

عبد الحميد الغرباوي

المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 12/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى